الأزمة الأمريكية : بنية أم فرد ؟

منذ أن طرح بول كيندي كتابه "Rise and Fall of Great Powers " عام 1987، والذي تنبأ فيه بمسيرة تراجع أمريكي تقودها استراتيجية التمدد العسكري الزائد"Overstretch " والتي بدأت –طبقا لبول كينيدي- منذ ستينات القرن الماضي، وظهرت ملامحها في تراجع نصيب الولايات المتحدة في إجمالي الناتج العالمي وإجمالي نصيبها في إجمالي حجم التجارة العالمية، وتوقع أن العقدين الاخيرين من القرن الماضي هما بداية وضوح ملامح هذا التراجع.

لكن الجزء الذي لم يلتفت له الكثيرون أن بول كيندي بنى تصوره على نموذج اختطه لتتبع تراجع القوى العظمى خلال 500 عام، أي انه بنى تصوره على أساس "الاتجاه الأعظم" Mega trend " لا على أساس لحظات فارقة .

بعد ذلك توالت أدبيات التراجع الأمريكي بشكل كبير ، وبرز في هذا السياق جون غالتنغ، ومن فرنسا برز إيمانويل تود، والأمريكي بيتر تورشين، والأمريكي غراهام أليسون وجورج فريدمان وستيفن والت...الخ.

لكن نقطة التلاقي بين كل هذه الأدبيات تظهر في الملامح التالية:

أ‌- التركيز على البنية العامة(التوسع العسكري، الاقتصاد، الإنفاق العسكري، توزيع الثروة، صعود الثقافات الفرعية،. الخ).

ب‌- صعود القوى الأخرى(بخاصة الصين) سيقلص من الحدائق الخلفية الأمريكية .

ت‌- الارتباك المؤسسي في معالجة التراجع.

ذلك يعني أن التحولات التي يفرضها ترامب في السياسة الأمريكية هي تعبير عن بنية "تعيش مأزقا" وليست مجرد رعونة رئيس، فرعونته والهوج في سلوكه والانحدار في أدبيات الحوار مع الآخرين ومع الإعلاميين بل والاستهزاء الكبير برؤساء آخرين كما يفعل مع بايدن وكلينتون وزوجته ومع أوباما هو تعبير عن بنية تتشقق لا بنية تنهار، ذلك يعني أن الثقة طويلة الأمد بالاستقرار الأمريكي تغفل ذلك، لكن تعجل الانهيار-التفكير الرغائبي- يغفل ذلك أكثر.

إن التلذذ –بخاصة في المجتمعات المحرومة جنسيا- بقصص إبستين ،تحصر الأزمة الأمريكية في "السلوك الفردي "، فالمشكلة ليست في إبستين ولا شذوذه أو كونه فخا نصبته أجهزة مخابرات أجنبية أيا تكن تلك المخابرات، وكما اتهم الشيوعيون غورباتشوف أو حصر البعض الأزمة الصينية في توجهات هوا جيو فينغ بعد موت ماوتسي تونغ...الخ، فإن المشكلة الحقيقية في البنية وتعقيداتها التي تتمظهر بفقاعات على السطح ،وليس الأفراد إلا تعبير البنية عن مأزقها.

ذلك يعني أن قراءة المشهد الأمريكي الصاخب حاليا توحي بأن البنية أمام امتحان عسير ، فالأزمات الاقتصادية وتراجع نصيب الولايات المتحدة في حجم الإنتاج العالمي والارتفاع المتصاعد في الإنفاق العسكري تحت ضغوط المجمع العسكري الصناعي وارتفاع حدة التشنجات الاجتماعية بين المهاجرين وتزايد عدد المشاركين في المظاهرات الاحتجاجية ،واتساع عدم العدالة في توزيع الثروة بالقدر الذي جعل الولايات المتحدة تحتل المرتبة الأولى في سوء توزيع الدخل قياسا بالدول الصناعية الكبرى، واختلال التحالفات الأمريكية مع الخارج وبخاصة مع أوروبا، والإرباك في التجارة الدولية ،والصورة المهزوزة للنظام السياسي الأمريكي في الاعلام الغربي تحديدا، والانسحاب الأمريكي المتلاحق من المنظمات الدولية ، ثم التدخلات الفظة والتي لم يستسغها حتى الاستعماريون الأوروبيون بما فيها بريطانيا...كل ذلك تعبير عن خلل بنيوي .

إن كثيرا من الدراسات والتي طرحها مفكرون وشخصيات سياسية أمريكية وازنة لا ترى في ترامب وابستين إلا تعبيرا عن بنية مخترقة باللوبيات والمخابرات الأجنبية بخاصة الروسية والموساد ،ولم يتم هذا الاختراق إلا لأن البنية العميقة(السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصورة الدولية..الخ) أصابها فيروس قانون التراجع الذي عرفته كل الحضارات والإمبراطوريات والقوى الكبرى ، لكن هذه النظرة العلمية تحذر من خلط الرغبة في انهيار الولايات المتحدة مع التنبؤ بسرعة الانهيار ، فانهيار القوى الكبرى له إيقاع متذبذب، لكنه ليس خطيا في كل مراحله ، فدورات كوندراتيف (دورات الموجات الطويلة) والتي اعدمه ستالين بسببها تجعل من زمن الدورة يتراوح بين 45-60 سنة.

دعوتي للحكام العرب أن يتأملوا المظاهر التالية:

كانت مساحة الإمبراطورية البريطانية في أوجها 35.5 مليون كم مربع وهي الآن حوالي 244 الف فقط

فرنسا تراجعت من 13.5 مليون كم مربع الى 644 الف .

الاتحاد السوفييتي بلغ حوالي 22.4 مليون كم مربع وانحسر الى 17.

حجم الاقتصاد الصيني عام 1978 يساوي 6.5% من حجم الاقتصاد الأمريكي، الآن هو 64%(الاسمي )بينما تتفوق على الولايات المتحدة في المعادل الشرائي، وسرعة إيقاع النمو الإجمالي الصيني يساوي ستة أضعاف التسارع الأمريكي، وتقف الولايات المتحدة في مقدمة حجم الدول المدينة قياسا لإجمالي الناتج المحلي وفي مقدمة الأكثر عجزا في الميزان التجاري ،وهما وضعان تقف الصين على راس المتقدمين فيهما، وهذه مؤشرات لا تأتي بسبب سلوكيات فردية بل بسبب شقوق البنية، وما السلوك الفردي إلا مظاهر لخلل البنية..

ومن الملفت أن الأزمة البنيوية تقود في كثير من الأحيان للتضحية بأفراد هم في حقيقتهم "يفضحون" خلل البنية بسبب تصرفاتهم بخاصة إذا كانوا في مواقع متقدمة في السلطة، ولن أتفاجأ إذا لحق ترامب الأمريكي بساركوزي الفرنسي ، أو حتى بزوجة ماوتسي تونغ، لكن عبارة الفيلسوف كارل بوبر وقبله شروحات هيغل لها، تبقى مرافقة لي بأن : " التاريخ مليء بالمؤامرات ،لكن التاريخ نفسه ليس مؤامرة " .

إن تعاضد البنية المشققة مع قيم "القوة والبراغماتية" قد يؤسس لاضطراب البنية بشكل دموي أو تفكك جيوسياسي ، أو مصالحات "تخدر " التراجع الى حين ..لكنها لن تمنع الاتجاه الأعظم...ربما.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات