المنظور الأوروبي للدور الأمريكي المستقبلي

بحكم تخصصي واشتباكي الدائم مع الدراسات المستقبلية الغربية –عملا وقراءة – لفت انتباهي منذ سنوات بذور تشكك أوروبي متزايد في "جدوى او حدود" التشارك الاستراتيجي الأوروبي الأمريكي، وحيث أن الظاهرة السياسية لا تولد ناضجة بل تتطور وتتكيف مع بيئتها الجديدة ، فان تلمسي للهمس الأوروبي تجاه أمريكا بدأ منذ الحقبة الديغولية في فرنسا عندما دعا الى "أوروبا الأمم" ، ثم سحب فرنسا من القيادة العسكرية للناتو ، واعترض على دخول بريطانيا السوق المشتركة(لشكوكه في موقفها من الولايات المتحدة)وادان حرب فيتنام واعترف بالصين الشعبية وأوقف بيع السلاح لإسرائيل بعد حرب 1967...الخ، ويبدو ان ديغول كان يعبر عن "لاوعي أوروبي كامن" بان أوروبا هي الأصل من اليونان الى الثورة الفرنسية وليست الولايات المتحدة التي هي في الأصل "إفراز أوروبي".

ومع ان الحرب الباردة "لجمت النزوع الديغولي " إلا ان تيارات سياسية أوروبية بقيت في نفس الاتجاه "الحذر من التطاول الأمريكي" ، ولعل عددا من المظاهر أسست لهذا الحذر وبشكل متصاعد:

1- نزعة الضغط الأمريكي في البعد التجاري والاقتصادي (بدءا من ثمانينيات القرن العشرين - ٢٠٢٥) ، وتجلى ذلك في تصاعد النزاعات الممتدة بين أوروبا وأمريكا حول المنتجات الزراعية ( في ثمانينيات القرن الماضي ) إلى تهديدات جمركية متبادلة واسعة النطاق والتي دشنها ترامب في عودته للبيت الأبيض في مطلع العام الماضي، وهي تهديدات مست صناعات الصلب والألومنيوم والسيارات الأوروبية، مما دفع الاتحاد الأوروبي إلى لبس قفازات المواجهة للرد بالمثل.

2- تراكم نزعات الهيمنة الأمريكية في صياغة استراتيجية الدفاع والأمن بخاصة خلال فترتي ترامب(2016-2020 و 2024-2026) حيث تعمقت الخلافات مع نزوع الولايات المتحدة الى أعلاء شأن مصالحها الاستراتيجية على حساب مصالح شركائها في الناتو بل والسعي الأمريكي لإعادة التفاوض على معاهدات الأمن، كما اتضح جليا في موضوع جزيرة غرينلاند، بل والميل لمراعاة المصالح الاستراتيجية الروسية في أوكرانيا على حساب الهواجس الأمنية الأوروبية –بخاصة المانيا وفرنسا-، مما أدى إلى تآكل الثقة ودفع أوروبا إلى التفكير في نوع من "الاستقلال الاستراتيجي"، وافرز ذلك نوعا من الإجماع الأوروبي المتزايد على أن الأمن الأوروبي لم يعد يعتمد كليًا على الولايات المتحدة، مما يستلزم انتقالًا سريعًا نحو "اقتصاد الحرب" وزيادة الإنفاق الدفاعي المحلي، وهو ما نشهد بوادره الآن.

3- حتى في فترة ما قبل ترامب، فان إخفاقات الاتفاقيات التجارية (٢٠١٣ - ٢٠١٦) بين أوروبا وأمريكا كشفت عن عدم القدرة على إبرام اتفاقية الشراكة عبر الأطلسي للتجارة والاستثمار (TTIP) وعن وجود خلافات اقتصادية هيكلية بين الطرفين.

4- الانقسامات الأيديولوجية والثقافية: شكلت بعض الموضوعات تشققا إضافيا في جدار العلاقة بين الطرفين الأمريكي والأوروبي في موضوعات ترتبط بالسياسات "الداخلية" مثل السيطرة على الأسلحة الفردية ، وعقوبة الإعدام ، والرقابة الرقمية...الخ، مما ساهم في اتساع قاعدة انعدام الثقة في الديمقراطية الأمريكية.

5- تزايدت الأدبيات السياسية الأوروبية الصادرة عن النخب الفكرية ومراكز الدراسات الأوروبية التي تتبنى فكرة نهاية النظام العالمي الليبرالي، إذ يرى العديد من النخب أن النظام الدولي الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة قد انتهى رسميًا، ليحل محله عالمٌ تحكمه "سياسات القوى العظمى" والتعددية القطبية التي تشكل الصين بنزوعها السلمي ابرز ملامحها.

6- ثمة سلوك أمريكي تكتيكي القى بظلاله على المنظور الأوروبي العام ،ويتمثل ذلك في "الطغيان البراغماتي الأمريكي"، إذ تشير التوقعات إلى أن السياسة الخارجية الأمريكية ستصبح نفعية بشكل متزايد، مع إعطاء الأولوية للمكاسب قصيرة الأجل على حساب التحالفات طويلة الأمد والقيم الديمقراطية المشتركة.

وقادت كل هذه المؤشرات الى تغير متلاحق في توجهات المجتمع والنخب الأوروبية تجاه الولايات المتحدة، فقد تراجعت نسبة النظرة الإيجابية لأمريكيا من 47% عام 2024 الى 29% حاليا، ولعل كتاب المفكر وعالم الاجتماع الفرنسي ايمانويل تودد(Emanuel Todd) وعنوانه " هزيمة الغرب" والصادر عام 2025، ينطوي على تحليل عميق لكل ما ورد في النقاط السابقة ويفسر تحولات المجتمع الأوروبي ونخبه تجاه الولايات المتحدة ، ففي الكتاب الصادر عن المعهد الوطني للدراسات الديموغرافية الفرنسي عام 2025 ، يبدأ الحديث عن عشر مفاجآت أيقظت العقل الأوروبي، كان أولها أن أوروبا التي توهمت سلامها استيقظت على مواجهة أمريكية روسية على أراضيها(أوكرانيا)، والمفاجأة الخامسة التشقق الأوروبي في كيفية التعاطي مع الموضوع الأوكراني ، ثم يتحدث عن مفاجآت أخرى مثل عجز الولايات المتحدة عن زيادة الإنتاج من الذخائر لتعويض أوكرانيا، ثم مفاجأة أن الغرب اصبح اكثر عزلة عن العالم ، لينتهي الى ما يتنبأ به هو "هزيمة الغرب اليقينية" لان هذا الغرب "يتدمر ذاتيا" لأنه لم يتنبه لأطروحة العالم الأمريكي ميرشايمر حول "العمق الانثروبولوجي والتاريخي للعالم"، فنخبة الواسب(WASP) النخبة البيضاء الانجلوسكسونية البروتستنتينية لم تعد متماسكة ولا حاكمة، وهو ما يؤسس لتراجع حتمي في الولايات المتحدة التي لم تمثل دولة-أمة بالمفهوم الويستفالي، والتي كان رايت ميلز قد بنى عليها نظريته عن المجمع العسكري الصناعي. ويدلل الكاتب الفرنسي على ذلك في فصله العاشر وعنوانه"عصابة واشنطن " على التغير في بنية النخب الأمريكية ، وينتهي الى خلاصة هي أن تبخر البروتستنتينية في أمريكا أدى لتبخر العنصرية مما أدى لاتساع الطريق أمام الهويات الثقافية الفرعية الأخرى، وهو ما شكل خطوة كبيرة في تحولات النخبة ببروز النخب ذات الأصول الآسيوية والسوداء وضمور تدريجي في مكانة اليهود في الجامعات وفي الإدارات المحلية وفي قطاع السينما ، لكن هذا التراجع في مكانة اليهود لا يخفي انهم مازالوا متواجدين بنسبة تفوق نسبتهم السكانية.

ويرى الكاتب الفرنسي أن غزة مثلت مهربا لأميركا من وهج خسارتها في أوكرانيا، لكن العالم لم يشاطرها موقفها في غزة، ولم تنتصر في أوكرانيا.

ويحذر الكاتب الفرنسي في فصوله المتتابعة من الفصل الخامس(انتحار أوروبي بمؤازرة أمريكية)، و :بريطانيا نحو الأمة صفر(الفصل السادس) ليصل الى أمريكا في الفصل الثامن بعنوان "الطبيعة الحقة لأميركا: اوليغارشية عدمية"، ليصل الى ما اسماه" عصابة واشنطن" في الفصل العاشر، لينتهي في الفصل ما بعد الخاتمة الى ما يسميه "العدمية الأمريكية: الدليل بغزة ".

ويقدم العالم الفرنسي مؤشرات كمية على التراجع الأمريكي من صفحة 217 الى 230 ، مركزا على الجانب الاقتصادي ، ويكفي الإشارة الى الشواهد التالية :

1- تراجع نصيب أمريكا من الناتج الصناعي العالمي من 44.8% الى 16.8% وهو ما يساوي حاليا 57% فقط من إجمالي النصيب الصيني في الإنتاج الصناعي العالمي .

2- بعد أن كانت الولايات المتحدة دولة مصدرة رئيسية للمنتجات الزراعية ، أصبحت صادراتها مساوية لوارداتها.

3- انخفاض متوسط العمر في المجتمع الأمريكي.

4- ارتفاع العجز التجاري منذ عام 2000 بنسبة 60%.

5- كان عدد العاملين في القطاع الدفاعي في الثمانينات حوالي 3.2 مليون، انخفض الى 1.1 مليون.

6- تزايد الاعتماد على الخبرات المهاجرة من الخارج فمثلا: الأجانب العاملين في قطاعات التكنولوجيا والعلوم والهندسة والرياضيات يمثلون 39% من العاملين ، بل أن الحاصلين على شهادات الدكتوراة في العلوم والهندسة من الجامعات الأمريكية يتراوح بين 66% من الإيرانيين و و39% من الهنود و 35% من الصينيين ونفس النسبة من الهنود...الخ.

7- استمرار التراجع الأمريكي في مؤشر غيني(Gini index) ،فالفروق في توزيع الثروة تتزايد بشكل واضح في الولايات المتحدة، وهي الآن تتصدر الدول الصناعية في عدم عدالة توزيع الثروة.

ماذا يعني ذلك؟ إن فضائح إبستين هي دليل قاطع على الانحدار القيمي الذي ينطوي على دلالات سياسية اعمق من اعتبارها نزعات غرائزية، فهي تعبير عن هروب نخبوي عابث من شعور بقرب الغروب، لذا على العرب أن يستديروا شرقا لا لأنه الأفضل بل لأنه الأقل سوءاً...ربما.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات