ترامب وضيق الخيارات

منذ أن تولى ترامب رئاسته الثانية ، طرح مجموعة من الأهداف الاستراتيجية تتمثل في:

أ‌- سياسة جمركية مفرطة في قيمتها .

ب‌- إعادة توجيه بوصلة حلف الناتو وتوزيع الأعباء لنفقاته.

ت‌- مساندة إسرائيل دون أي تحفظ.

ث‌- ضبط الهجرة وامن الحدود الأمريكية.

ج‌- التركيز على عرقلة التقدم التدريجي للدور الصيني عالميا.

ح‌- تغيير النظام الإيراني وتكييف اقتصاديات الخليج العربي لخدمة الولايات المتحدة.

ويبدو أن استطلاعات الرأي الأمريكية منذ 2025 (بداية رئاسته الثانية) تكشف مدى نجاح أو فشل هذه السياسات ، وهو ما يتضح في المؤشرات التالية التي هي تلخيص لأبرز نتائج هذه الاستطلاعات( مركز بيو، رويترز، غالوب، يوغوف، ماريست..الخ):

1- كان معدل الرضا الشعبي عن سياسات ترامب في بداية ولايته الثانية يصل الى 48%، أما معدل الرضا الآن فقد تراجع بنسبة 10% الى 37% تقريبا، ذلك يعني أن المعارضة لسياساته هي بين 58-62%، وعند تقسيم سياساته في أبعادها المختلفة يتبين :

أ‌- رفض سياساته الاقتصادية بمعدل يتراوح بين 61-62%.

ب‌- موضوع الهجرة والأمن ،وهو الموضوع الأكثر قبولا بخاصة من الرأي العام الجمهوري، لكنه رغم ذلك مقبول بنسبة 41% من الرأي العام الأمريكي.

ت‌- وحول سياساته الخارجية بمجملها يتبين ان معدل الرضا يصل فقط الى 37%

ث‌- هبطت درجة الثقة في قراراته العسكرية الى 38%، ولعل جبهة الحرب الإيرانية هي الأقل قبولا من الرأي العام الأمريكي، إذ يرى 69% إنها حرب لا أهداف محددة لها، كما أن 61% لا يوافقون على طريقة إدارتها.

وهنا لا بد من التوقف عند دلالات هذه النتائج:

1- تجمع كافة الدراسات التي تناولت المتغير الرئيسي في السلوك الانتخابي الأمريكي أن البراغماتية(المنفعة المباشرة) هي التي تحدد هذا السلوك بشكل رئيسي، وعليه، فان ترامب يواجه موقفا حرجا في هذه الجبهة في ظل التضخم الاقتصادي وارتفاع الأسعار وفشل السياسات الجمركية وتناقص المخزون الاحتياطي النفطي الأمريكي...الخ.

2- هناك نوع من "التكلس " النسبي في الولاءات الحزبية الأمريكية، فاكثر من 70% من الرأي العام الأمريكي الجمهوري باق على ولائه لترامب، يقابلها رفض من الرأي العام الديمقراطي، مما يعني ان التحول في الرأي العام هو بين جمهور المستقلين ، وهنا لا بد من التنبيه الى أن المستقلين يشكلون 45% تقريبا من الرأي العام الأمريكي، يميل 20% منهم غالبا نحو الديمقراطيين، بينما يذهب 15% منهم غالبا نحو الجمهوريين، وهناك 10% لا يميلون في الغالب لأي من الحزبين، ونظرا للتقارب في القوى بين الجمهوريين والديمقراطيين، يشكل المستقلون قوة مؤثرة نظرا لان بيدهم الترجيحات في الفروق الصغيرة.

3- تجمع الدراسات الأكاديمية الحالية على أن الانقسام الحزبي (الارتباك في القاعدة) هو الأعلى حاليا قياسا لأغلب فترات التاريخ الأمريكي، وهو ما يعني خلخلة-ولو نسبية- في البنية الحزبية .

انعكاسات ذلك مستقبلا:

لعل الانتخابات النصفية القادمة (نوفمبر) تمثل المختبر الذي يحدد وضع الرئيس وقدرته على الاستمرار في سياساته الحالية، وهنا يمكن الاسترشاد ببعض السوابق التاريخية:

أ‌- إذا تراجع تأييد الرئيس بنسبة تصل الى 45% ،فان احتمالات خسارته لمزيد من المقاعد في الانتخابات النصفية في كل من النواب والشيوخ تتزايد. ومعلوم الآن أن عدد مقاعد الجمهوريين في مجلس الشيوخ هو 53 بفارق 8 مقاعد عن الديمقراطيين(مع ملاحظة أن هناك أيضا عضوان مستقلان يميلان غالبا لتأييد الديموقراطيين)، أما في النواب ، فللجمهوريون ممثلون ب 218 مقعدا بفارق 6 لصالحهم عن الديمقراطيين، وهناك مستقل واحد(غالبا ينحاز للجمهوريين)، كما أن هناك حاليا أربعة مقاعد فارغة (بسبب الوفاة أو الاستقالة أو الانتقال لمنصب آخر..الخ)، وهذا يستدعي التنبه لهذه النقطة عند التصويت قبل ملء فراغ هذه المقاعد، وخلال ذلك فان نسبة الأغلبية المطلوبة للقرار تتأثر حسب عدد المقاعد الشاغرة.

ب‌- تشير الدراسات التاريخية لأنماط التصويت في الانتخابات الأمريكية، أن تراجع شعبية الرئيس الى 40% فما دون تحمل في طياتها " احتمالا نسبيا" بخسارة الحزب الحاكم الأغلبية .

عقدة ترامب:

يشير ما سبق ،الى أن الرئيس الأمريكي فشل في سياساته تجاه الصين(بل عاد يتودد لها)، وفشل في إقناع المجتمع الأمريكي بأسباب انحيازه في الاتجاه العام لسياسات بوتين في أوكرانيا، كما أن موقفه من حلفاء أمريكا (كندا والاتحاد الأوروبي بخاصة) لا يلقى تفهما من نسبة عالية من الأمريكيين وبخاصة النخب المختلفة.

من جانب آخر، تكشف استطلاعات الرأي العام الأمريكي أن صورة إسرائيل في الرأي الأمريكي اهتزت بشكل يجمع عليه كل المحللين والخبراء بما فيهم اليهود منهم، بل ان نسبة عالية من الرأي الأمريكي يرى أن نتنياهو هو من ورط أمريكا من خلال ترامب في الحرب مع ايران ، وهو ما هز صورة الرئاسة في المجتمع الأمريكي.

الخلاصة:

يقع ترامب بين نتائج عدة افتراضات متناقضة:

أ‌- استرضاء إسرائيل يزيد من ضعف تأييده في الراي العام الأمريكي بخاصة بين الشباب، وإذا استعدى اللوبي اليهودي فقد تكون ملفات إبستين حاضرة للابتزاز ،ولعل أقوال نائب ترامب بان إبستين كان على صلة بالموساد يدعم هذه الهواجس لدى ترامب.

ب‌- إذا استرضى ترامب الرئيس الروسي- بخاصة في موضوع أوكرانيا- فان الغالبية الأمريكية ستنظر لذلك بسلبية، ولكن اذا استعدى بوتين ،فان ما تمتلكه المخابرات الروسية من ملفات شرحنا تفاصيلها كثيرا كافية لوضع ترامب في وضع حرج للغاية.

ت‌- اذا واصل ترامب سياساته تجاه ايران فان الرأي العام الأمريكي سيزداد ابتعادا عن مناصرته، وإذا اتجه نحو المساومة مع ايران سيستفز اللوبي اليهودي وانصار المسيحية الصهيونية في المجتمع الأمريكي والذي يعد وزير دفاعه من ابرزهم. أما اذا تمكنت ايران من فرض سيطرة ولو نسبية على مضيق هرمز ،فان وضع ترامب سيزداد اضطرابا.

ث‌- إذا توقف عن الحرب مع ايران ، أو قلص من قواعده ونفقاته العسكرية، فان ذلك سيثير ضده المجمع العسكري الصناعي (Military Industrial Complex)، والذي لا تزيد أرباحه إلا في توسيع دائرة الإنفاق العسكري والانخراط في مزيد من التدخلات العسكرية، فهذا المجمع تواق لمزيد من الانغماس في أوكرانيا، ولا يجني إلا الأرباح إذا تفاقم الوضع حول تايوان...الخ، وهو مؤسسة نوعية لها تأثيرها الكبير في السياسة الأمريكية.

ج‌- اكثر جبهة مريحة لترامب هي الجبهة العربية، فالقيادة المركزية الأمريكية تجد من يبرر سلوكها، ومشتريات العرب من السلاح هي الأعلى عالميا، ويصطفون في المعارك حيث تقف أمريكا، وهداياهم تبدأ من الطائرات الى الودائع ...الخ، وقد يكون توسيع دائرة التطبيع مع إسرائيل في لبنان والخليج وبعض القوى في المغرب العربي متنفسا هو الأكثر إتاحة لترامب للادعاء بنتائج تعزز من شعبيته في الداخل الأمريكي .

أخيرا: يقف ترامب بين ضغوط جبهة داخلية وبين ضغوط بيئة دولية متناقضة في مطالبها بين طرف وآخر، ولعل هذا يزداد اضطرابا في ظل شخصية ترامب النرجسية والفقيرة جدا في رؤاها الاستراتيجية بعيدة المدى، ومن هنا فان خيارات ترامب ضيقة بشكل واضح ، ولعله يدرك أن مستقبله السياسي مرهون بالتوفيق بين هذه المطالب المتضاربة، وهو امر فيه من العسر الكثير.....ربما.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات