بين مضائق الجغرافيا ومضائق الدبلوماسية في الشرق الأوسط

لست بحاجة للإسهاب في شرح أهمية مضيق هرمز أو باب المندب إذا اضطربا ، فهما يؤثران على أسواق الطاقة(وما يترتب عليه من تداعيات مالية تعرفها تقنية "دولاب المستقبل "، ويكفي ان نشير ان زيادة سعر البترول 35 دولارا يكلف أوروبا حوالي 370 مليون دولار يوميا (أو على التجارة العالمية بخاصة بين أوروبا وآسيا، فالصين " لوحدها " تصل تجارتها مع أوروبا الى حوالي 750 مليار دولار عام 2025) وعلى خسائر السياحة العالمية بخاصة الى الشرق الأوسط والتي تم تقديرها للشرق الأوسط وحده لعام 2026 بحوالي 600 مليون(خلال الحرب الحالية فقط).

ومن المؤكد أن الحراك الدبلوماسي العالمي وبخاصة الغربي المستند لمنظور براغماتي بحت ليس منفصلا عن هذه النتائج ،لذلك ذهب الى المسارعة لتحريك الدبلوماسية لتسوية الصراع ، فمقتل وفقدان ما يقارب 80 الف فلسطيني في غزة لم يحرك (العرب او الغرب ) مثلما حركهم القلق على جيوبهم ومحطات تحلية مياههم ومداخن نفطهم.

وإذا كانت المضائق الجغرافية تخنق كل هذه المرافق الاقتصادية إذا اقفلت ،فان المضائق الدبلوماسية لا تقل خطورة، ويكفي التوقف عند المضائق التالية:

اولا: المضائق الدبلوماسية الايرانية:

1- المضيق الاسرائيلي: من غير الممكن فهم اي صراع استراتيجي في المنطقة بين العرب انفسهم او بينهم وبين جوارهم او بينهم وبين القوى القطبية او حتى مع بقية دول العالم بعيدا عن القضية الفلسطينية والوجود الاسرائيلي ، ومن هنا فان "مضيق التفاوض" الذي ستدخله ايران يجب ان "لا يُهَمش" القضية الفلسطينية، فالصراع العسكري الحالي ليس منفصلا عن ملابسات الموضوع الفلسطيني، بل ان ورقة الاعمال الامريكية للتفاوض تضم شرطا هو " وقف ايران دعمها لمحور المقاومة بجناحه العربي"، وهو ما يؤكد ان جوهر الصراع هو هنا تحديدا.

هذه النقطة أراها في غاية الاهمية الاستراتيجية، على ايران ان تربط بين "تسوية ما يجري من مواجهات عسكرية" وبين جذور هذا الصراع التي تمتد في التربة الفلسطينية واللبنانية والعراقية واليمينة ، وهو امر يدركه الاوروبيون ادراكا عميقا ،فهم اكثر اقاليم العالم الخارجية تأثرا بالصراع العربي الصهيوني(سياسيا وعسكريا واقتصادية واجتماعيا)،وهو ما تؤكده وثائقهم ودراساتهم ، مما يجعل طرحه على طاولة المفاوضات يجد أذنا صاغية من الاوروبيين والروس والصينيين واليابانيين وكل المتضررين من اغلاق المضائق الجغرافية ، فلا بد من استثمار اغلاق المضائق الجغرافية لفتح المضائق الدبلوماسية بخاصة مضيق الموضوع الفلسطيني، واي تهميش من ايران لهذا الموضوع سيضعف من مكانة محورها وبالتالي من فضائها الاستراتيجي الذي تسعى لتشييده.

ولفت انتباهي أن ايران في نقاطها العشر التي تم نشرها من جهات عدة ،اشارت الى ربط المضائق الجغرافية ب" قضايا المنطقة" لكنها لم تحدد المعنى الدقيق والدال لتعبير "قضايا المنطقة"، لكن من اليسير تفسيرها بانه لا بد ان تشمل القضية الفلسطينية وبخاصة غزة المحتاجة لمعالجة عاجلة.

2- لا بد من الربط بين المضائق والتزام اسرائيل بالاتفاق الدولي الخاص بلبنان، اي انسحاب اسرائيل وبشكل كامل من الاراضي اللبنانية واطلاق سراح جميع الاسرى اللبنانيين ،ووقف التحليق الجوي العسكري الاسرائيلي فوق لبنان.

3- مطالبة الولايات المتحدة بالوفاء بالتزاماتها بخصوص الاعمار لغزة وضمن جدول زمني محدد،مع الانسحاب الاسرائيلي من القطاع .

4- على ايران ان لا تدخل المفاوضات الا عبر فريق وساطة تأمن نصفه على اقل تقدير ، فدول الخليج (باستثناء عُمان) ليست الا وكيلا لا وسيطا، ولا بد من السعي مع اطراف اوروبية مثل اسبانيا او غيرها للمشاركة بل حتى المفوضية الاوروبية ، أما مصر حاليا فهي لا في العير ولا في النفير،وقد تكون تركيا او باكستان اطرافا اقل اقلاقا ، أي لا بد من ان يكون الفريق الوسيط فريقا فيه اطرافا لا تأتمر بالأمر الامريكي.

5- ان قاعدة لا يلدغ المؤمن من الجحر مرتين قاعدة يجب على ايران ان تجعل منها هاديا لحركتها الدبلوماسية، فالتعاطي مع رئيس امريكي تصفه نخبة بلاده الفكرية بانه "Unpredictable" او مع رئيس وزراء اسرائيل الذي يرى بالنص الحرفي انه "في مهمة روحية لتنفيذ ارادة الرب" هو امر من الضروري التنبه له،ولا اظن ذلك غائب عن الدبلوماسية الايرانية، فإذا كان " اهورا مزدا " حاضرا ،فلا يجوز نسيان ان هناك "أهريمان". ايضا.

ثانيا: المضائق الدبلوماسية العربية:

دعوني اطرح السؤال التالي، هل هناك مشكلة شرق اوسطية منذ 1948 ليس لاسرائيل دور فيها؟ فاغلب الصراعات بين العرب انفسهم او بينهم وبين جوارهم او بينهم وبين العالم الا وللقضية الفلسطينية دور فيها ، وهو ما يستوجب مساندة المطالب الايرانية (التي اشرت لها اعلاه) لا حبا في ايران ،بل للتخلص من عبء هذه القضية التي تطل بأوزارها على العرب في كل زاوية من زوايا حياتهم ، فلن يستقر الشرق الاوسط دون تسوية القضية الفلسطينية .

ان الارتباط العربي بالقطار الامريكي لم يعط اية نتائج للقضية الأم وهي القضية الفلسطينية، فلا تذهبوا للقضايا الوليدة بل للقضية الأم ، والفرصة مواتية لاستغلال اي ظرف كهذا ،والتنسيق العربي مع اوروبا والروس والصين وتركيا واليابان وغيرها لتسوية القضية الفلسطينية هو المسار الأكثر فائدة.

لكن المشكلة الكبرى في الدبلوماسية العربية، هي انها دبلوماسية تُعْلي من شأن امن النظام على حساب امن الدولة وأمن المجتمع، من هنا يحصل الشقاق بين القضية الفلسطينية وبين "امن الانظمة"، فالقضية الفلسطينية ترتبط ارتباطا استراتيجيا وثيقا بامن الدول العربية(جغرافيتها وحدودها ومواردها وجوارها الاقليمي) وبأمن المجتمعات العربية (ديمقراطيتها وتعليمها وتقدمها العلمي وتحسين دخلها وشفافيتها الادارية..الخ)، وهذا التباين هو المسؤول عن المتاهة التي يعيشها العالم العربي، فكل استطلاعات الرأي العربية والغربية والاسرائيلية تؤكد ان النسبة العظمى من الشعوب العربية تقف ضد التطبيع، لانها تتحسس خطره على امن الدولة وامن المجتمع، فلماذا التطبيع إذن؟

ان روسيا والصين وامريكا واسرائيل واوروبا واليابان معنية بامنها كدول ومجتمعات ،بينما ليست معنية بامن نظمها السياسية (بمدلولها السلطوي)، ولكنها معنية بأمن نظم سياسية خارجية (كالانظمة العربية) لتوظيفها في تحقيق الامن لدولها ومجتمعاتها، بينما الدبلوماسية العربية توظف تلك القوى لضمان أمن نظمها حتى لو كانت اسرائيل.

ثالثا: دبلوماسية الذراع العربي من محور المقاومة:

لا شك أن حزب الله فاجأ الجميع (بمن فيهم مراكز الدراسات الغربية والروسية والصينية والإسرائيلية)، بل وأتقن تطبيق مبدا "التَّقِيَّة" والذي يقوم على رخصة شرعية "لتجنب المواجهة لحظة الضعف"، لكن ما يجب مواصلته هو ضرورة المطالبة من ايران بان تربط القضية الأم في هذا المضيق السياسي بتسوية مضائق الجغرافيا، والا سنكون في فخي المضائق معا، وحينها سنلحق "ببراقش"..ربما.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات