ما بعد المعركة الإيرانية –نداء للدبلوماسية الإيرانية

لكل حرب نهايتها ، وما يحصده منجل الحرب تظهر محاصيله على بيدر التفاوض السياسي، ومن الواضح أن الهدف السياسي الأول لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل هو "تغيير النظام السياسي في ايران" رغم أي ادعاءات أخرى ، لان الثورة الإيرانية طرحت مشروعا لجعل ايران هي الدولة المركز في المنطقة، وهو ما استوجب سلسلة من المخرجات السياسية التي رأت فيها إسرائيل تهديدا ومنافسا استراتيجيا لمشروعها الشرق أوسطي بتأويلاته اليمينية(إسرائيل الكبرى جغرافيا) أو تأويلاته اليسارية الصهيونية( إسرائيل الكبرى اقتصاديا)، وكما وضعت إسرائيل خطة متكاملة لتحقيق الهدف ، بالاحتلال والقضاء على القوى المخالفة لتوجهاتها ،بنت ايران تحالفات إقليمية ودولية مقابلة لتحقيق مشروع مركزيتها المطروحة رسميا في خطة عام 2005.

وعند الجلوس على طاولة المفاوضات(المباشرة أو غير المباشرة، العلنية أو السرية، عبر الأمم المتحدة أو خارجها)، فان على ايران أن تطرح موضوعين أساسيين هما:

أولا: التأكيد على أن المخرج الوحيد لامتصاص كل حلقات الاحتقان في المنطقة هو "تسوية القضية الفلسطينية"، فكل الحروب ال 53 حربا التي نشبت في الشرق الأوسط منذ قيام الثورة الإيرانية الى الآن ترتبط بشكل أو آخر بالقضية الفلسطينية.

ولكن ، لماذا طرح هذا الموضوع بعد الحرب ؟

أ‌- لم يكن التعاطف الشعبي أو الرسمي في العالم متعاطفا ومتفهما للمعضلة الفلسطينية كما هو الآن، وهي فرصة للدبلوماسية الإيرانية لطرح الموضوع في بيئة دولية موائمة، وهو ما يتضح في أنماط التصويت في مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة أو في استطلاعات الرأي العام في كل دول العالم، فمنذ طوفان الأقصى وهذا التحول متواصل.

ب‌- تشعر أوروبا بان أوزار القضية الفلسطينية من دورات الرفع المتكرر لأسعار الطاقة(غاز أو بترول) الى إرباك التجارة الدولية بخاصة التجارة الأوروبية الآسيوية الى موجات الهجرة للداخل الأوروبي ، الى صرف الاهتمام الأوروبي عن مشاكلهم مع روسيا أو غيرها تستدعي تسوية القضية الفلسطينية ،وهو ما عبر عنه وزراء خارجية الدول الأوروبية وبيانات المفوضية الأوروبية وأنماط التصويت الأوروبي في الأمم المتحدة.

ت‌- هناك تزايد واضح تؤكده كل المؤسسات العلمية في "التململ" من ثقل وزن اللوبي اليهودي في صنع القرار الأمريكي، وهو امر تعكسه استطلاعات الرأي واحاديث النخبة الفكرية ، بل تزايد النظر لإسرائيل كعبء استراتيجي على الولايات المتحدة ، وصحيح أن هذا لم يُحدث تحولا عميقا كاف لتغيير السياسة الأمريكية ،لكنه يشكل بيئة قابلة للاستثمار في التفاوض.

لذا من الضروري أن تضع ايران تسوية الصراع العربي الصهيوني على طاولة المفاوضات تحت راية أن القضية الفلسطينية هي "الأم لعدم الاستقرار في المنطقة"، فلماذا لا نجد حلا لها لنخلص الشرق الأوسط من هذه الأم التي لا تشيخ ولا يصيبها العقم؟

ومن المؤكد أن مشروع حل الدولتين( رغم إقراري بظلمه واعتراض إيران عليه من حيث المبدأ) لو جرى اعتماده من المجتمع الدولي سيكون هو افضل وصفة لإشعال حرب أهلية في إسرائيل (بين اكثر من ثلاثة أرباع مليون مستوطن في أراضي 1967 اغلبهم من المتدينين وبين بقية المجتمع الإسرائيلي) ، ناهيك عن أن الرفض الإسرائيلي لذلك الحل سيزيد العزلة الإسرائيلية تدريجيا ، بينما قد يكون ذلك مخرجا للدول العربية التي قامت بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل أو تسعى له أو الدول العربية القلقة من مشروع إسرائيل الكبرى الذي قد يطالها .

ثانيا: الموضوع النووي : من الضروري أن تعيد ايران طرح موضوع "اعتبار الشرق الأوسط منطقة خالية من السلاح النووي"، وتقديم هذا الاقتراح من منطلق المساواة والسيادة بين دول العالم، فإما أن تنضم إسرائيل للوكالة الدولية للطاقة الذرية وتخضع للتفتيش، أو أن يذهب الشرق الأوسط لنفس المسار الكوري الشمالي، فكوريا كانت عضوا في الوكالة حتى 2003 وانسحبت منها لتقوم باول تجربة نووية لها بعد ذلك بثلاث سنوات.

ومن الضروري في طرح هذا الجانب التركيز على المساواة والسيادة لدول المنطقة، ومنع التفجر المتواصل لأزمات الشرق الأوسط التي تصل أوزارها لكل بيت في العالم، ومن الضروري أن تشرع ايران في ربط هذا الموضوع بتهديدات وزراء في الحكومة الإسرائيلية (سموتريتش وغيره) بضرب غزة بالقنابل الذرية، وهو ما وثقته كل من محكمة العدل الدولية والجنائية الدولية.

أرى أن على ايران التركيز على هذين الموضوعين ،خلق انطباع بان مصير أي تفاوض مرتبط بهذين الموضوعين تحديدا، لاسيما أن تحقيق نتائج في هذين الموضوعين سيجعل الفضاء السياسي أمام المفاوض الإيراني اكثر براحا، وستجد إسرائيل صعوبة ابتلاع أي من الموضوعين رغم وجاهة الموضوعين من جانب النظرة العالمية.

الوجه الآخر للموضوعين:

اعلم تماما أن إسرائيل ستجد مشكلة في الدفاع عن موقفها في الجانبين(فلسطين والنووي) وستعمل على إفشالهما تماما ،لكن ذلك لا يحول دون استغلال البيئة الدولية الحالية(التحول في المواقف الدولية من إسرائيل، والاختناقات المتوقعة في الأسواق بكل ما لذلك من تداعيات بخاصة في الدول الأكثر مساندة لإسرائيل…الخ مما ذكرنا)، واعلم أن إسرائيل سترفض بكل قوة وبعناد تام كلا الموضوعين(فقد قتلت جون كينيدي عندما اصر على التفتيش على مشروعاتها النووية)، لكن طرح الموضوعين يشكل إضافة لإثراء الموقف التفاوضي الإيراني في الموضوعات الأخرى، كما أن طرح هذين الموضوعين سيهمش الحجة الأمريكية بان الحرب هي "مساندة للشعب الإيراني المضطهد من حكومته" ، ويتعزز كل ذلك إذا ادرك العرب أن هناك فرصة للجم هذا الصراع المتجدد والمسئول عن اغلب التوترات في العلاقات العربية العربية أو العربية الإقليمية أو العربية الدولية، لذا لا بد من المساندة السياسية للمفاوض الإيراني .

بالطبع هناك موضوعات إيرانية بحتة، مضيق هرمز، التدخل الخارجي ومساندة بعض شرائح المعارضة الإيرانية ، القواعد الأمريكية في المنطقة، علاقات ايران بموسكو وبكين ، العقوبات الاقتصادية والحصار السياسي…الخ، لكن الخطورة لو اتجهت ايران الى مقايضة الموضوعين السابقين بموضوعاتها الخاصة أو الذاتية، وهي مخاطرة كبيرة ستفقد ايران كل مصداقيتها حتى لحلفائها، وأظن أن الإيرانيين أذكى من الوقوع في هذا الجُب، ولكن لا يجوز اعتباره مستحيلا في الحساب العربي، وعلى الدول العربية أن تدرك أن استثمار الوضع الحالي لتحقيق نتائج في الموضوعين الفلسطيني والنووي هو في صلب المصلحة العربية، مما يقتضي التخلي عن الغرائزية السياسية لصالح "حساب السياسة ببيض النمل" على رأي لينين.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات