معركة البحر الأحمر : السعودية بين الإمكانيات والفاعلية

يكاد البحر الأحمر أن يكون "بحرا عربيا" إذا استثنينا الإطلالة الضيقة لإسرائيل على البحر والتي لا تصل الى حوالي 13 كيلومتر ، يقابلها " سواحل عربية" تتجاوز خمسة آلاف و 493 كيلو متر، منها حوالي الفا كيلومتر للسعودية و 1600 كيلومتر لمصر تليها السودان 853 كيلومتر ثم اليمن 700 كيلو، ويتوزع الباقي بين جيبوتي(314كم) والأردن(26) ، ذلك يعني أن طول السواحل السعودية تصل الى ما يقارب ثلاثة أضعاف طول الساحل اليمني، وهو ما يعطي السعودية مساحة أوسع للمراقبة والسيطرة رغم الخمسة آلاف وأكثر قليلا من الكيلومترات المربعة التي كسبها انصار الله مؤخرا.

من جانب آخر، فان حجم الإنفاق العسكري السعودي بلغ طبقا لعدد من المصادر الأكاديميةSIPRI وIISS اكثر من 85 مليار دولار مقابل حوالي 1.5 مليار قيمة انفاق انصار الله على التسلح، أي أن السعودية متفوقة بمعدل 57 ضعفا، بينما تتقارب القوة البشرية لعدد القوات المسلحة التي تتراوح بين 250-300 الف لكل منهما. وعند المقارنة بين الأسلحة المختلفة من طائرات ودبابات وصواريخ ومدافع، فان الفارق يتراوح في كل صنف ما بين 15-25 ضعفا لصالح السعودية.

لا شك أن المقارنة السابقة تلح على القارئ بسؤال بديهي هو: لماذا لا يتناسب فارق القوة الكبير لصالح السعودية مع إنجازاتها العسكرية الميدانية، فهي تحتل المرتبة بين الخامسة والسابعة عالميا في حجم الإنفاق العسكري خلال الخمس سنوات الماضية، لكن قدرتها على ضبط بيئتها الإقليمية لا تتناسب نهائيا مع الإمكانيات ؟ فلماذا؟

وضعت السؤال السابق كمشروع بحثي سأنشر تفاصيله لحظة اكتماله، ولكن اطرح بعض الاستنتاجات " الأولية "، محاولا الاستفادة من الدراسات المتخصصة في مراكز الدراسات أو الأطروحات الجامعية في مستوى الدكتوراه أو الدراسات الأكاديمية الغربية والشرقية المتنوعة وذات الصلة بجوانب الموضوع السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية. ...الخ.

تكشف دراسة صادرة عن جامعة أكسفورد عام 2021 تحت عنوان "Military Politics and Effectiveness in the Gulf" للباحث زولتن باراني "Zoltan Barany" البنية السوسيولوجية للمؤسسة العسكرية في دول الخليج وبخاصة السعودية، ويضعها في اطار تاريخي لتتبع تطورها، ثم يتناول في الفصول 4و5و6 جوانب تهم موضوعنا الخاص بالكفاءة الميدانية لهذه الجيوش الخليجية مستفيدا من اكثر من 150 مقابلة مع مسئولين كبار ممن لهم علاقة بالشأن السعودي بخاصة في الجانب الدفاعي ومن وثائق وتفاصيل عن الحرب اليمنية السعودية 2015 التي جرت قبل تولي محمد بن سليمان ولاية العهد رسميا(2017)،

ويمكن تحديد ابرز جوانب التفسير التي تقدمها هذه الدراسة المتخصصة في أن المؤسسات العسكرية السعودية تعاني من : )التفاصيل لكل نقطة في الفصل التاسع من الدراسة(

أ‌- أن الترقية والتغيير والتعيين في المناصب الأساسية لا تقوم على الأهلية والجدارة(Meritocracy)

ب‌- أن الروابط الشخصية تتفوق على القواعد القانونية والإدارية في إدارة العمل العسكري في وقت السلم أو الحرب.

ت‌- ضعف الانتماء المؤسسي والذي يترتب عليه ضعف الإحساس بالمسؤولية.

ث‌- غياب واضح للانضباط وطغيان الترهل في مؤسسات تشترط الالتزام الصارم.

ج‌- الفارق الواضح بين ضخامة وأعداد وتطور الأسلحة وبين القدرة على تشغيلها أو بناء تخطيط ينسق بين عمل الأسلحة المختلفة خلال المعارك.

ح‌- الفساد وضعف المراقبة على صفقات السلاح.

خ‌- فقدان العقيدة القتالية في ظل الانتماء لمجتمع استهلاكي تغذيه دولة ريعية .

ولاحظتُ بدوري تطابقا كبيرا في أسس تفسيرات "باراني" لضعف الفاعلية مع نتائج أطروحة دكتوراه في جامعة Leeds للباحث ثائر القتيبي عام 2003 تحت عنوان: The professional preparation of junior military officers in the Saudi Arabian National Guard : King Khaled Military Academy. ،إذ وصلت الدراسة في الفصلين التاسع والعاشر لعدد من النتائج –مع التركيز على مستويات التدريب والترقية والتعيين...الخ- أهمها:

(1) وُصف نظام التوظيف والاختيار في أكاديمية الملك خالد العسكرية بأنه يفتقر إلى المنهجية وغير فعال، وذلك على الرغم من الجهود والموارد الهائلة التي تُستثمر فيه سنوياً .

(2) أشارت الأدلة إلى تقييم متفاوت بشأن برنامج التلقين الفكري (أو التنشئة العسكرية) في الأكاديمية؛ إذ اعتُبر قوياً من حيث ترسيخ الثقافة العسكرية، ولكنه ضعيف لكونه يهمل بشكل واضح التدريب القيادي وأسسه الإدارية في الحرب والسلم.

(3) صُنِّف البرنامج المهني للأكاديمية بدرجة "متوسط "، مع الإشارة الى مستويات الضعف في مجالات اكتساب المهارات التقنية والتكنولوجية والقيادية.

(4) وُصف برنامج التعليم العام للعسكريين بانه يعاني من قصور فيما يتعلق بمدى ملاءمته للاحتياجات العسكرية؛

(5) تبين أن برنامج اللياقة البدنية فيه نقاط ضعف أبرزها عدم تدريب الطلاب العسكريين على كيفية تدريب الآخرين.

وفي دراسة أخرى عام 2025 تحت عنوان Rethinking GCC Security :Lessons from Saudi -led Coalition's intervention in Yemen، يتناول الكاتب عمر مونصار في مجلة Alternatives(عدد 3) في حوالي 17 صفحة مجموعة من التفسيرات للظاهرة السعودية وبخاصة محاولة القيادات العسكرية السعودية "تقمص الشخصية العسكرية الغربية" إضافة للملاحظات التالية:

1- الضعف الواضح في خبرة الحروب غير النظامية.

2- ضعف القدرة الاستخبارية .

3- ضعف التنسيق بين القطاعات العسكرية لا سيما مع وجود ثنائية مؤسسية تتمثل في الحرس الوطني والجيش .

لكن أمرا آخر تثيره الدراسات الغربية هو استقرار قناعة لدى المؤسسة العسكرية بان ضعفها العسكري يمكن تغطيته بالاعتماد على الدعم الخارجي بخاصة الأمريكي أو الأوروبي أو "الخارجي بشكل عام"، وهو ما تتكشف خطورته في دراسة تناولت هذا الموضوع في الحروب مع اليمن، ونقصد الدراسة التي عنوانها:

Arming Saudi Arabia:Navigating the Paradox of Power and Vulnerability

صادرة في أوسلو عام 2024 عن Middle East Brief،وهي من تأليف Palik Julia and Nicholas Marsh

فالدراسة تنتهي الى أن ذلك سيقود الى "انتظار المقاتل السعودي للفعل الخارجي وتجنب المخاطرة الذاتية" ، كما سيقود الاعتماد على الخارج الى تأخر غير محدود في تطور الصناعات العسكرية السعودية والى استمرار الارتهان لمنظومات عسكرية قد لا تتسق بنياتها المادية والمعنوية مع البيئة السعودية، وهو ما يحول دون تحويل الإمكانية الى فعالية.

وتثير دراسة أخرى لجامعة أكسفورد تحت عنوان :

Saudi Arabia ; The Role of The Military in Politics

منشورة في Research Encyclopedia of Politics Oxford

وترى الدراسة في استنتاجاتها أن عدم تحول الإمكانيات الى فعالية هو نتيجة لوزن متغيرات معينة أهمها:

أ‌- القبلية وتدخلها في الشأن العسكري (التوظيف والترقية والولاء...الخ)وهو ما يجعل الولاءات الآلية هي التي تحدد سلاسل القيادة لا الفاعلية.

ب‌- ضعف الشفافية لا سيما في صفقات السلاح وضروراتها وأثمانها ودوافعها.

ت‌- طبيعة العلاقة بين النظام السياسي والمؤسسات العسكرية.

تحذير:

حتى هذه اللحظة ما تزال المعارك محتدمة، ويبدو أن الاعتماد على المساندة الخارجية هي الخيار الأجدى في المنظور السعودي الرسمي في ظل المساحة الزمنية المحتملة للصراع ، فإذا تبين أن الخارج اقل نزوعا للمساهمة الى جانب القوات السعودية كما تشير بعض المعطيات ،فان حل معضلة الفارق الصارخ بين الإمكانية والفاعلية لن تحل في أسابيع أو شهور، وهو ما يجعل انصار الله في وضع يمكنهم من المناورة اكثر، لكن "البجعة السوداء "في صراع كهذا لا يجوز أن تغيب عن الأذهان، وفي تقديري أن على السعودية أن لا تجعل من الكبرياء هاديها المركزي في القرارات الاستراتيجية ، بل أن النظر للمستقبل والقدرة على بناء بيئة إقليمية متصالحة مع نفسها هو الأنسب، وهو ما يعني رفع الحصار عن اليمن لأنه الأقل تكلفة ويؤسس لمصالحة خليجية أوسع، ويمثل نموذجا لتقاليد تسوية الصراعات العربية ،بينما ثمن النصر على اليمن –إنْ تحقق-سيكون ثقيلا على البنى التحتية السعودية وعلى علاقات الشعوب ببعضها وهو ما تسنده الخبرة التاريخية اليمنية ذاتها ،ولا بد من مشاركة النخب السعودية المتزنة في بحث البدائل عند اتخاذ القرار ،فالعالم اعقد كثيرا جدا مما يبدو على السطح ...ربما.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات