بغض النظر عن ملابسات واقعة أن قابيل قتل أخاه هابيل، فان العنف العضوي-الجسدي- شكل نمطا مرافقا للعنف اللفظي من ناحية وللنزعة السلمية من ناحية مقابلة ، وبقيت هذه الثنائية مرافقة للتاريخ البشري، لكن المفارقة هي في أن الإنسان الذي دجن "الوحوش" وجعلها تشارك في فرق السيرك ، وتمكن من استخراج المعادن من الصخور والأتربة وتحويلها الى آلات بلغت مع الذكاء الاصطناعي حد القدرة على التفكير بل أن تَبُزَ خالقها في ميادين عديدة، عجز حتى الآن عن إيجاد "المعادل الأخلاقي للحروب" بشكل خاص وللعنف بشكل عام"، ومنذ أن طرح وليم جيمس –الفيلسوف الأمريكي مقاله المشهور عام 1910 عن ما اسماه "المعادل الأخلاقي للحرب"( The Moral Equivalent of War) ، وتبعه السياسي والأديب البريطاني نورمان انجيل في كتابه الوهم الكبير- بطرح فكرته في نفس العام عن أن الترابط الاقتصادي الأوروبي سيقود الى ما يشبه استحالة الحرب .
هنا تبدو المشكلة: كيف للعقل الإنساني الذي "انطق المعدن ، والغى المسافة والزمن في بعض منتجاته (فانت تشاهد مباراة كرة قدم على مسافة خمسة آلاف كيلومتر في نفس اللحظة مع الجالس في مدرجات الملعب)، وجعل المعدن آلة تتفوق أحيانا على خالقها في التفكير، بل بدأ يفكر في دمج الآلة والإنسان- السايبورغ (Cyborg) معا لإنتاج مخلوق تتجاوز قدراته ايا من مفرداته، ومع ذلك ما زال الإنسان فاشلا في إنتاج منظومة بديلة للعنف العضوي في إدارة العلاقات الإنسانية والفردية والجماعية والدولية.
عند النظر في أغلب أنماط المباريات الرياضية ، فهي تنافس، ورغبة جامحة في الفوز، ونزوع لتحقيق الذات والشهرة بل والكسب المادي ، لكنها لا تنطوي على عنف عضوي ، فلماذا لا ينصرف العلم الى التفكير في إنجاز ما حلم به وليم جيمس وعززه نورمان انجيل بإيجاد المعادل الأخلاقي للحرب، أي السلوك الذي يقود للفوز لكن دون "عنف عضوي".
وهنا تقفز لنا مشكلة بنيوية في الوجود الإنساني، فالتطور في "بعض" جوانبه هو نتيجة للحرب، فالكثير من المنتجات السلمية الصناعية هي إعادة تأهيل ونقل من الغرض العسكري الى الغرض المدني، بل ان بعض العلوم ومنها الدراسات المستقبلية بدأت في الكليات الحربية وليس في الكليات المدنية، وكل ذلك ينطوي على أن الحرب لها وظيفة تطورية في التكنولوجيا بل وفي المنظومات القيمية من تضحية وشجاعة..الخ.
هنا تبدو ضرورة للوقوف عند موضوع المنافسة، فهل يجب أن تدور المنافسة بين الدول أو الجماعات بالعنف العضوي بالضرورة؟ لماذا لا تتجه الأبحاث نحو ميدان المعادل الأخلاقي للحرب، أي أن تدار التناقضات بآليات أخرى غير العنف العضوي؟ اعتقد أن تحقيق ذلك سيشكل نقلة مستقبلية هائلة في التاريخ البشري، فالعقل الذي نجح في الاستنساخ، ونجح في حل مشكلة العقم للكثير من النساء، واكتشف التخدير، وحمل مئات الأفراد في الجو داخل "وعاء طائر"، وها هو يفكر في زرع شمس في الفضاء يتحكم من خلالها في الليل والنهار، ويريد زرع رقائق الكترونية تجعل معلوماتك مساوية لمعلومات غوغل ودون ذهاب للمدرسة، والمعادلة الرياضية التي فشل العقل البشري طيلة قرنين حلها الذكاء الاصطناعي، والإنسان الذي يسعى لجعل الخلايا عند عمر معين تعود القهقرى نحو مراحل الشباب...كل ذلك ،ألا يؤهل العقل البشري للتفكير في إيجاد "المعادل الأخلاقي للحرب"؟
كأني استشعر تململا لفرويد في لحده ليقول لي ان المشكلة هي في التكوين الإنساني نفسه، فالصراع يبدأ من داخل الفرد الواحد بين ثالوثه الأنا والأنا العليا والهو(العقل والضمير والرغبة)، أقول لا ضير في قبول هذا التحليل ، فلماذا لا نبحث في شكل من الآليات "للتسامي" الذي يحل الصراع بين هذا الثالوث، ولا اقصد بالآلية الوعظ الأخلاقي بل "بمعادل طبيعي أو اصطناعي أو سايبورغي" يفك لغز ثالوث فرويد.
ذلك يعني لا الغاء التنافس ولا النزوع للسيطرة ،بل يعني البحث العلمي لتطوير آلية توصل الى نفس ما تتوصل له الحرب العضوية من نتائج، مع فارق واحد هو أن هذه الآلية الجديدة مجردة من العنف العضوي، فالبعض انتقل في الدراسات المستقبلية باتجاه التفكير في جيوش كاملة بدون جنود (الجنود كلهم روبوتات)، ويرى أن ذلك خطوة على طريق تجنب العنف العضوي، فمن كان يتخيل أن الطائرات ستتحول الى مسيرات تؤدي نفس وظيفة الطائرة الحربية لكن دون أن يكون فيها طيار؟ فما المانع أن تصبح الدبابة والسفينة والغواصة بل والمدفع المحوسب..الخ كذلك..؟
ان متابعتي للفكر السياسي الصيني المعاصر يشير الى ان المفكرين الصينيين مثل يان شيويتونغ(Yan Xuetong ) في نظريته عن الواقعية الأخلاقية في العلاقات الدولية(Moral Realism) او وانغ ييوي(Wang Yiwei) في نظريته حول الجاذبية العالمية أو تشين يانتشينغ(Qin Yangqing) في نزعته ال"ما بعد وضعية" حيث يسعى- بصفته انطولوجيا- الى علاقات دولية تقوم على ساق كونفوشي(اكثر إنسانية واقل ميتافيزيقية) وساق طاوي(بان الجندي الجيد هو الذي لا يحارب)،وكل هذا الجهد التنظيري يسعى لتكريس المنظور غير الصفري في العلاقات الدولية، أي كيف نوسع العلاقات والمصالح المشتركة الى الحد الذي تصبح فيه التناقضات هامشية قياسا لوزن المشتركات، وهو ما يجعل الحرب غير عقلانية ويزيد من جاذبية التفكير باتجاه المعادل الأخلاقي للحرب.
ان الدمج بين المكانة الصينية في الذكاء الاصطناعي(المركز الثاني) وبين أدبيات التنظير الصينية المعاصرة يؤسس لأمل في إيجاد صيغة للمعادل الأخلاقي للحرب، وهو البديل الذي لا يلغي التنافس بل يلغي آلية إدارته ، وهكذا سننتقل من مرحلة تدجين الحيوان –الكلب مثلا- قبل 15 الف سنة الى مرحلة تدجين الإنسان لنفسه بعد أن نسيها طويلا، وأظن ذلك هو التحدي الذي سيساهم فيه الذكاء الاصطناعي ..ربما.