إلى أن يحلّ جانفي شعبيّ

شعارات المظاهرة التي جرت يوم 20 اوت كانت واضحة، كتابة وهتافا، ضد الاستبداد، وضد الدكتاتورية. كان المتظاهرون، في هذا المستوى، يبدون على صوت واحد، وهذا يُحسب للمنظمين الذين نجحوا حتى اليوم في تحشيد سياسيين مختلفين، أفرادا ومجموعات، إسلاميين وعلمانيين، محافظين وليبراليين وغيرهم، من اليسار الماركسي إلى اليمين الدستوري، في مشهد يبدو على قدر من الانسجام.

لكن ما هو واضح أكثر هو أن هذا النشاط لا يتضمن التزاما من المتظاهرين بأي شيء ولا حتى بحدّ أدنى، ذلك أن رفع الشعارات لا يعني الالتزام بها، وفي غياب ذلك تتحوّل المظاهرة إلى نوع من التنفيس، بما يعود بالفائدة على الوضع القائم. ذلك أن المطلوب هو توفير ضمانة لعدم العود إلى الاستبداد والدكتاتورية، وبما أن السياسة لا يمكن أن تُبنى على أوهام المتفرج، فلا نتوهم أن برنامج اليمين الدستوري يقبل بالديمقراطية، غير التي كانوا يمجّدونها في زمن المخلوع، وعندما يرفعونه اليوم إلى مرتبة التقديس، فذلك يعني أن خطتهم تتمثل في تعويض دكتاتورية بدكتاتورية، واستبداد باستبداد.

إن سقوط الدكتاتورية، في حد ذاته، لا يكفل قيام مستقبل أفضل مما نحن فيه. والأهم من سقوط المنظومة هو وضع قواعد مشتركة يجمع عليها المجتمع السياسي والمدني، وتلتزم بها الدولة ومؤسساتها، أيًّا كان من يحكمها. فالحقوق لجميع التونسيين، والكرامة، والحريات، والديمقراطية، والمواطنة، ليست منّة من أحد ولا تفضّلًا من حاكم، وإنما هي حقوق أصيلة لا تستقيم الدولة من دون ضمانها بالقوانين والمؤسسات.

المسألة، إذن، ليست في أن يرحل استبداد، وتعويضه آخر، وإنما في تغيير قواعد اللعبة السياسية نفسها، بما يجعل العودة إلى الاستبداد، أمرًا مستحيلًا أو على الأقل عصيًّا على التكرار، فإن تجرأ على استعادته أحد اجتمع ضده الجميع حتى يقتلعوه. والاتفاق على هذا الآن، عندي أهم من المظاهرة نفسها، وأهم من عدد المشاركين فيها ومن تنوعهم واختلافهم.

ربما تراهن جماعة "نفس" على أن التحركات الميدانية قادرة على التأثير في المواقف، وأن الشارع يمكن أن يكون مدخلًا لتغيير الأفكار وبناء تلك القواعد. غير أن الوقت المتاح للوصول إلى هذا الهدف ضيق؛ إذ ينبغي أن يتحقق ذلك في غضون الأشهر الفاصلة عن جانفي المقبل. ذلك أن أهمية مظاهرة 20 أوت لا تكمن في كونها جمعت أطياف المعارضة، أو أغلبها، بقدر ما تكمن في أنها انتظمت في ظرف كانت فيه درجة التحفز المجتمعي في أدنى مستوياتها. ومن هذه الزاوية تحديدًا تستمد المظاهرة دلالتها؛ فهي لا تعكس فقط قدرة على التعبئة في لحظة فتور، وإنما قد تبشر بشتاء ساخن، أي بجانفي شعبي. غير أنه يحتاج إلى أكثر من النزول معا إلى الشارع.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات