غداة انقلاب 2013 في مصر، وقع ترويج صورة لعبد الناصر وهو بهامته الفارعة يخاطب طفلا صغيرا يؤدي له التحية، قيل يومها إن ذلك الطفل الضاحك هو عبد الفتاح السيسي. تلك الصورة كانت في الحقيقة محاولة لإيجاد شرعية للانقلاب العسكري على الديمقراطية، وأن العسكر هو الأجدر بالسلطة، على نهج عبد الناصر، وتذكيرا بما وقع في 23 يوليو 52.
الصورة نفسها حاولت أن تربط بين الضابطين فكريا أو إيديولوجيا، على أساس ناصرية السيسي، وعلى أنه يستحق بالتالي دعم الناصريين، العدو التاريخي للإخوان، فكان حمدين صباحي في الصفوف الأولى دعما للانقلاب على الديمقراطية في مصر، وللانقلاب على ثورة 25 يناير كما اتضح بعد ذلك، وللنكوص عن قضية فلسطين كما اتضح فيما بعد.
حدثت في الأثناء مذبحة رابعة بكل الوحشية، ليسقط خلالها حسب هيومن رايتس ووتش ألف من المعتصمين السلميين، بنيران الشرطة والجيش. مجزرة لم يقم جيش الاحتلال الأنجليزي بمثلها زمن احتلالهم لمصر. ولم يرفّ جفن لداعمي الانقلاب.
ثم كان ما كان، لا يهمّني حقيقة الوضع الاجتماعي ولا الاقتصادي للمصريين، ولكن رأينا كيف أن نظام "ثورة" 30 يونيو التي جاءت لتصحيح ثورة 25 يناير، هههه، ردم الأنفاق التي كانت تغذي الفلسطينيين في غزة أو تمرر إليهم السلاح للدفاع عن أنفسهم، ثم أحكم غلق الأبواب عليهم وهم تحت القصف خلال سنتين قمريتين، حتى لا يصلهم دواء ولا ماء.
وبالعودة إلى صورة الطفل ذي ربطة العنق الفراشة، وهو يحيي عبد الناصر. من البلاهة الاعتقاد بأن عسكرا يموّله الأمريكان ويدرّبه الأمريكان ويسلّحه الأمريكان، يمكن أن يتسرّب فيه قومي ناصري إلى أعلى المراتب، ويقوم بانقلاب عسكري، بتأييد أمريكي صامت.
ولكن القوم صدقوا ذلك، وأيدوا الانقلاب، تاركين الديمقراطية للإخوان، بعد أن كانوا في زاوية شعار "الإسلام هو الحل". إن أكبر خاسر من الانقلاب هو عبد الناصر نفسه، ليس ممثلا في أتباعه، وليس لأن الانقلاب أسفر عن حقيقته القاتمة، وإنما لأن الانقلاب يمثل دعوة لمراجعة ما كان يعرف بثورة 23 يوليو، مراجعة السردية كاملة، وتحليج البروبغندا التي صاحبت كل ذلك.
بمعنى أن الناصرية تخسر من وراء الانقلاب الذي رأى فيه ناصريون أن عبد الناصر يعود من جديد.