لقد جرب العرب حكم العسكر منذ أول انقلاب في العراق سنة 1936، وما تلاه من عشرات الانقلابات في جل البلاد العربية من 1949 وطيلة العقود اللاحقة، وكان من الطبيعي أن يأمل الكثيرون آنذاك في حكم العسكر خيرا، فهم لم يجربوه، ولكن أن يستمر نفس الأمل بعد تجربة تسعين عاما، فهذا يصبح سذاجة مثيرة للشفقة، ودليلا على خمول ذهني فظيع، وهاهم العرب مازالوا حيث كانوا قبل العسكر، بل في وضعية أتعس، حيث عادت جل بلدانهم إلى أزمنة الاحتلال.
وأما أن يعتقد العرب بأن حكم العسكر هو الأنسب لهم، من نوع أنهم لا ينقادون إلا للعساكر، فمثل هذا التفكير يعبر عن احتقارهم كبشر، وأنهم مجرد رعايا لا مواطنين.، لا كرامة ولا حرية. وأما أن يتحوّل حكم العسكر إلى أساس للإيديولوجية القومية العربية، وأنه الحل الوحيد للنهوض بالعرب، فهنا بالضبط يقع أكبر عائق هيكلي حَكَم عليهم بالخروج من التاريخ، ومن شأنه أن يستبقيهم حيث هم، في قلب الهامش تماما.
لقد انتهت الفكرة القومية العربية إلى أسوأ مظهر وأبأس وضع، وأمامنا حصيلة جيلين أو ثلاثة من حكم العسكر، تسعون أو سبعون عاما، ولا شيء تغير على أيدي العسكر، سوى مزيد من الاستبداد الشرقي المعتّق واستبعاد المواطن، وأما ما يمكن اعتباره في خانة النجاحات، فكانت طفيفة ومؤقتة وزائلة، أمام الإخفاقات التي عرفها العرب منذ عهود الاحتلال المباشر، بحيث تداولت عليهم الإخفاقات، فشل إثر فشل، وصولا إلى الاحتلال المباشر والتبعية الذليلة.
لقد غدت عبارة القومية العربية صنوا للاستبداد والفشل، وحيث لا أفق أمامها، فلا بد لها من أن تتحول، أن تستكشف وتكشف عن حصيلتها، بما فيها من كوارث حكم العسكر، أن تنتقد تجربتها بكل كوارثها على الإنسان والوطن، وأن تعزم على التحول إلى وطنية عربية، تقوم على شعب المواطنين الأحرار الفاعلين. وطنية عربية بلا عُقد الماضي ولا الآخر. فإن أبت، فإن التحول لن يتأخر كثيرا.