في عهد المشايخ والخلفاوات، عمل أحدهم سنين طويلة في خدمة الحاكم، مطلوبا منه ما يطلب من المشايخ عادة، ومن بين ذلك الإبلاغ عن منظوريه بكل كبيرة وصغيرة دون تحديد، وتحمس الشيخ ونصح في الخدمة حتى انتهى وهو في عز نشوة السلطة الى القول إن القوادة جزء من القيادة، وإن الصبة والصابة من أصل واحد، وكلاهما محمود للحاكم والمحكوم. وهو في عمق أعماقه يقصد الحاكم وحده، فهو من يعطيه راتبه، ويضمن له أمنه.
وكبر الشيء مع الشيخ حتى كان يتدخل في اختيار الشعراء للعكاظيات، ومن باب النصيحة كان ينصحهم بإدخال بعض العبارات وحذف أخرى باعتباره الأعرف بما يلذ للحاكم سماعه، ومن بين ما يحكى عنه أنه استنبط طريقة لم يسبقه إليها أحد وتتمثل في جمع الوشايات، بواسطة الأطفال الذين يكلفهم الأميون بكتابة رسائل إلى ذويهم، فكان يعطيهم الحلوى أو يعدهم بالنجاح في الامتحان لما يدعيه من سلطة على المعلمين.
وولع الشيخ بقراءة الكتب المدرسية -كما يقول- للتثقف وتنمية زاده المعرفي، ولكن أيضا لمناقشة المعلمين في ألفاظ قد تكون حمالة أوجه، وكان يقول ليتهم استشاروه في اعتمادها. وادعى يوما بأنه اقترح على أحد المفقدين حذف صورة حاكم من كتاب التربية المدنية حتى لا يكون عرضة لعبث الأطفال.
لقد كان الشيخ يعتبر نفسه وحيد زمانه في نصح الحاكم وفي تحصين الرعية من الزيغ والانحراف والعبث، كما كان يقول، حتى صار يعتبر نفسه هو الحاكم، له ما له وعليه ما عليه. وتضخمت الفكرة لديه حتى أصبح يوجه انتقاداته لمستشاري الحاكم ومن صنائعه، وبعض الألسنة الخبيثة تقول بأنهم خدموا ضده حتى تخلى عنه الحاكم بدون وسام ولا دعوة لمهمة أخرى، ولكن الخدمة قد تلبست به، كما لو أنه لم يبق له وجود بدونها، فقرر أن يستمر في القوادة لدى من يمكن أن يسمعه الحاكم، أليست القوادة جزءا من القيادة كما كان يقول؟
ولكن من يعوضه التحكم في الناس، ولم تعد له هيبة بينهم ولا رهبة في قلوبهم؟ ففكر وقدّر أن الرضى بالقليل من السلطة خير من عدمها، فقرر أن ينتقل من بلدته إلى المدينة، واكترى في حومة شعبية لا يعرفه فيها أحد من الناس، واشترى زيرا وضعه أمام باب منزله، وملأه ماء، حتى يتيحه للمارة، ووضع فوق غطائه كوبين، وجلس وراء الزير، وكان كلما شاهد مارا رفع صوته: "برد يا عطشان، ورحم على الوالدين"، فإذا مد المار يده للكوب الموضوع يمينا، يتدخل بسرعة: "لا، لا، لا، خذ الكوب على اليسار،"، طبعا ليس لأنه يساري، وإنما هكذا، لأنه لو مد يده للكوب على اليمين، سيدعوه لاستعمال الكوب على اليسار، وفي كل مرة كان يمسح على مكان شاربيه، ليثبت لنفسه بأنه يحكم في العطاشى. ويكفيه ذلك من الدنيا، وفوق ذلك رحمة الوالدين.