أخطاء..

Photo

من الطبيعي أن يفهم السياسي في أشياء، ولا يفهم في أشياء أخرى. لا يوجد تكوين يسمح للمرء بأن يكون مختصا في كل شيء. ولا يُلام على ذلك، وإن كانت هناك اختصاصات لابد منها للسياسي، وإلا فيعسر عليه فهم الواقع، أو التصرف المناسب في اللحظة المناسبة.

أما أن يدعي سياسي بأنه يعرف كل شيء أو يتصور أنصاره أنه كذلك، فهذا يذكرنا ببعض الكرونيكورات الذين يتعالمون، فيتحدثون في كل المواضيع المطروحة. السياسي يجب أن يكون متواضعا بهذا الخصوص، وأما إن تعالم فلا يلومن إلا نفسه إذ يكون قد عرّضها للنقد وحتى للتقريع.

يصدق هذا على كل السياسيين في السلطة التنفيذية وفي السلطة التشريعية وخارج تينك السلطتين، مهما كانت مواقعهم، ولا يستثنى منهم رئيس الجمهورية بطبيعة الحال. وأنصاره عليهم بقبول نقده أولا، وثانيا الاعتراف بأنه يخطئ مثل بقية خلق الله.

وقد أخطأ قيس سعيد عندما اعتبر أن تونس كانت تحت الحماية وليس الاستعمار، متأثرا -كما هو واضح- باختصاصه القانوني، حيث يكون وزن كلمة في نص أثقل عنده من كل ما جرى في بلادنا طيلة ثلاثة ارباع القرن من تدمير وقمع وتقتيل وتعذيب وتفقير ونهب ثروات ومسخ ومسح مقومات وقيم. وأخطأ ثانيا عندما لم يستحضر أن الهدف من الاعتذار هو ضمان عدم العود. وأخطأ ثالثا عندما تصور أن الدماء التي أريقت والأرواح التي أزهقت والحرمات التي انتهكت والحقوق التي افتكت والكرامة التي ديست، يمكن أن تعوضها استثمارات أو قروض بفوائض.

الأنكى هنا، أن ينبري أنصاره وحتى بعض السياسيين للدفاع عن قوله بخصوص أن تونس كانت تحت الحماية وليس الاستعمار. وهم لم يقرؤوا كتابا واحدا في التاريخ.

مُوجع..

فرنسا.. التي بلادنا حديقة خلفية لها بحكم التاريخ ليس الاستعماري فقط وإنما قبله على الأقل بثلاثة قرون، نكون واهمين لو اعتقدنا أننا تحررنا منها بين عشية وضحاها، أو أنها تتعامل معنا على قدم المساواة، يصح هذا لو تغيرت الجغرافيا التونسية أو الجغرافيا الفرنسية.

نعم نتوهم لو اعتقدنا أنه بإمكاننا أن نتحرك بعيدا عن فرنسا أو رغما عنها، أو بعيدا عن مكاتب الإيليزي، أو مكاتب الدائرة 20 بباريس. يمكن لفرنسا أن تتخلى أو تجبر عن التخلي عن بلدان أبعد عن جغرافيتها، حتى في إفريقيا، أما تونس فالأمر مختلف.

أستطيع أن أعطيكم ألف مؤشر ومؤشر، دون أن أذكر خلال ذلك السفير الفرنسي.

تتذكرون وزيرة الخارجية الفرنسية ميشال أليوت-ماري (Michèle Alliot-Marie) يوم 14 جانفي، وإرسال القنابل المسيلة للدموع دعما للمخلوع في الدقيقة الأخيرة. وفاء؟ لا، وإنما لأن الأمر في حديقة القصر.

تتذكرون صورة الرباعي الراعي للحوار مع الرئيس الفرنسي، وهم كالتلاميذ النجباء. ما دخل فرنسا حتى تستدعيهم، وتمنحهم الليجيون دونور أعلى وسام فرنسي، هل هناك أوضح من ذلك لمدى التحكم الفرنسي في ما يجري في الحديقة التونسية؟

وقبل ذلك، التوافق بين الشيخين، ما معنى أن يتم في باريس؟ معناها أن فرنسا لا دخل لها في ما يجري في تونس؟

أستطيع أن أعطيكم ألف مؤشر ومؤشر كما قلت، وصولا إلى التساؤل فقط عن انتخابات أكتوبر 2019، هل جرت بعيدا عن الأصابع الفرنسية؟ لا يمكن أن تكون كذلك؟ إذن، من كان في المضمار رهان الدائرة 20؟ الرابحون بطبيعة الحال. البقية تفاصيل، يبقى فقط ملء الفراغات.

وما جرى في الجدل حول تشكيل الحكومة، نفس الشيء، وصولا إلى الفخفاخ الذي ينحدر -وليس الأمر بالصدفة- من حزب -نخفف هنا- له علاقات متينة جدا بفرنسا. واقترحه حزب من نفس القياس تقريبا…

فهمت كل ذلك من خلال زيارة قيس سعيد إلى فرنسا.

*كم أتمنى أن يكون ذلك خاطئا.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات