اليسار العربي جزء من سلطة القمع العربية

بنى اليسار العربي منذ تشكله في تنظيمات صورةً رومانسية لليسار وروّج لها ولخصها، منطلقا من نضالات اليسار الفلسطيني واللبناني ضد الاحتلال الصهيوني. وكانت جزيئات الصورة تتألف من قصائد شعرية مكافحة يكتبها شعراء وكتاب فلسطينيون مثل معين بسيسو ومحمود درويش وغسان كنفاني ولبنانيون مثل خليل حاوي؛ تزعموا المقاومة الثقافية وقادوا تحديث القصيد العربي والفن الروائي والقصصي وغير ذلك من الفنون، طبقا لرؤية تضع الالتزام الفني في خدمة قضايا التحرر. وكانت الجزيئات النضالية الميدانية تقودها الجبهة الشعبية وزعميها (النبي) جورج حبش، ورغم أن ثقل الكفاح الفلسطيني الميداني كان بيد فتح الحركة الليبرالية (أو غير اليسارية) إلا أن الصورة التي هيمنت على الشباب الطلابي في الجامعات العربية ومنها الجامعة التونسية الناشئة؛ أن حركة التحرر الفلسطيني كانت يسارية محضة. وبالقوة الدعائية لليسار وهو بارع في التأليف صارت هذه الصورة هي المرجعية الوحيدة التي تُسقط ما عداها وتقلل من قيمة كل نضال وزعامة إلا النضالات والزعامات اليسارية، مع رفدها بشحنة مستوردة للنضال اليساري مدعومة بصورة تشي غيفارا الثائر الأممي. وكل هذا ضمن نظرية عالمية للثورة ضد الإمبريالية والهيمنة.

في مرحلة متقدمة عبّرت هذه الصورة عن نفسها بأغاني مارسيل خليفة وأميمة الخليل وبعض فيروز، فأُلحق الفن الملتزم باليسارية ليدحض ما عداه من فنون ملتزمة. وكان القوميون العرب يلتصقون بهذه الموجة زاعمين لهم موقعا في اليسار بالجبهة الديمقراطية وشعارات مثل اللاءات الثلاث ونظرية الثورة العربية، وكتّاب قوميون يستجدون موقعا في التقدمية رغم التصاقهم بالأنظمة الحاكمة في الشرق بشكل عضوي. وحتى نهاية الثمانينات كانت هذه الصورة هي كل المشهد النضالي المقاوم للإمبريالية ولا مكان لغير اليسار فيها، بما في ذلك حركة فتح ومثقفوها وزعاماتها الميدانية مثل ياسر عرفات المصنف رجعيا وعميلا.

عودة حركات الإسلام السياسي أفسد الصورة

إذا أخذنا معطيات التاريخ فإن حركة الإخوان المسلمين سبقت كل فصائل اليسار إلى الجهاد في الأرض المحتلة، فلما انكمشت تحت تأثير القمع الناصري خفُت بريق جهادها وحل محلها اليسار طيلة الستينات والسبعينات. وبخروجها من السجون صرفت جهدها القتالي بعيدا عن الأرض المحتلة، فكانت أفغانستان وتركستان مقدمة في أجندتها على فلسطين، حتى أن مقاتلا مثل عبد الله عزام لم يجد له مكانا في فتح ولا الشعبية، وبشهادته لقد تم طرده من مجاميع فتح والشعبية والديمقراطية. كان ظهور مثله يفسد صورة النضال اليساري المتفرد بفلسطين.

كان للتوجيه السعودي بالمال والفتيا دور مهم جدا في توجيه قوى إسلامية بعيدا عن فلسطين، وكان من نتائجه توسيع الشرخ بين اليسار (صديق السوفييت وحليفهم) والإسلاميين (عدو السوفييت وصديق أمركيا) ولن ينتهي هذا التيه إلا بنشأة حزب الله في لبنان وحركتي حماس والجهاد الإسلامي اللتين قدمتا فلسطين على ما عداها.

فيء مرحلة التيه دعم اليسار صورته كمناضل وحيد وصاحب القضية المتفرد بها دون سواه، لكن عودة الإسلاميين (سنة وشيعة) إلى فلسطين حطم الصورة وضرب الدعاية في مقتل وبدا المشهد يتغير حول فلسطين وفي داخل كل قطر عربي.

كانت السنوات العشرون الأخيرة من القرن العشرين سنوات التحول التدريجي؛ فبينما يتراجع اليسار يتقدم الاسلاميون في الساحات ويسحبون البساط من تحت اليسار والقوميين الذين فقدوا ناصرهم وانكشف بعثهم بشقيه عن أنظمة قمع لا نظير لها.

وعندما بدأ الإسلاميون يتحدثون عن الديمقراطية والمشاركة السياسية على قواعد الانتخاب (وهنا كان إسلاميو تونس سباقين) فزع اليسار إلى جانب السلطة واحتمى بها؛ مؤجِلا كل قضاياه المحلية والكونية إلى حين القضاء على العنصر الجديد الذي حطم الصورة. كانت هذه هي فترة تحول اليسار في مواقع كثيرة إلى رديف للسلطة، فقد تبين عداء الأنظمة الجذري لحركات الإسلام السياسي في كل قُطر فوجد اليسار موضوعه الأثير. لقد وضع ما تبقى له من قوة في خدمة مشروع تصفية القوى الإسلامية، ولم تعد القضية الفلسطينية هي مركز النضال، ولا نظنه طرح السؤال عن علاقة ذلك بمقاومة الهيمنة الغربية وذراعها الصهيوني.

إنكار الحقيقة على الأرض

كان لظهور حزب الله في لبنان مسنودا بثورة إيرانية تنعت نفسها بالإسلامية ويناصرها الإخوان، وتحقيقه ضربات موجعة للعدو في بيروت والجنوب، قد غيّر المعادلة وبدا الحديث عن المقاومة الإسلامية في مقابل الوطنية (وهو ما يعني ضمنيا أن كل إسلامي غير وطني). هذه فترة ظهور أدب المناحات اليساري الذي جعل الإسلاميين طحالب بحرية.

تبلور شعور عام يمكن تجميعه من كل أدب اليسار، شعرا ورواية وسينما: القضية ضاعت إذ تولتها جهة معادية بما يعني فقدان شرعية الوجود ومصداقية الخطاب. ولما رسخت حماس السنية قدمها في لبنان ثم في الأرض المحتلة بالانتفاضتين كانت القضية قد صارت بين أيديهم، فالتحقت الجبهة الشعبية باتفاقيات أوسلو مبررة ذلك بقبول الممكن في غياب المطلوب. انتهى اليسار الفلسطيني تحت جبّة عرفات ثم انكمش أكثر تحت جبة عباس، ولم يشفع له كثيرا استشهاد بعض القيادة في غزة. وانتهى اليسار العربي عموما إلى نفس المصير مبقيا على خطاب فضفاض بدعم القضية ومعاداة حماس الرجعية الإخوانية (صناعة الصهيونية لضرب فتح والشعبية)، ثم كنت مواقف اليسار من حرب الطوفان فضيحة كاملة.

وقياسا على موقف اليسار الفلسطيني نقرأ مواقف اليسار العربي في كل قُطر. هنا تبلورت تنظيرات التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي (واليسار التونسي مؤسس لهذا التنظير)، فالأنظمة رجعية لكن يمكن إخماد التناقض معها وجعله ثانويا للتصدي للعدو الأول؛ الإسلاميين، فهم قوة رجعية وعميلة للإمبريالية (أكثر من الأنظمة) وعندما يتم القضاء عليهم سيعود اليسار إلى مقاومة الأنظمة وتحرير فلسطين (كيف ومتى؟ هذا سؤال مؤجل بلا إجابة).

هنا حصل اللقاء الكبير والفعّال بين الأنظمة وبين اليسار (التنظيمات والشخصيات والنخب الفنية والأكاديمية)؛ تحالف غير مكتوب ولكنه معيش يومي اقتضى توجيه كل القوة (الأمنية والعسكرية" التي بيد الأنظمة والقوة (الفكرية/ الثقافية) التي بيد اليسار في حرب داخلية لمنع الإسلاميين من الوجود إن أمكن، ومن المشاركة السياسية إذا تعذر المحق الأمني. ولم تكن مجزرة رابعة إلا فصلا من هذه الحرب.

فعندما حصل الربيع العربي وأذن ببدء الديمقراطية ارتعب اليسار كما ارتعبت منظومات الحكم (بمن فيها عباس في الضفة/ انتخابات 2006 كانت فصلا متقدما من الربيع) من الاحتمال الديمقراطي الذي يفتح بابا للإسلاميين. وكان التفويض الشعبي للإسلاميين إيذانا بتغيير جذري في كل المشهد العربي، لقد دق ناقوس موت اليسار دون دم.

لقد صات الصورة الرومانسية لليسار المقاتل من أجل الحرية والتحرير خلفنا، واقترب مارسيل خليفة فنيا من صباح فخري وصباح الأخرى.

استفادت منظومات الحكم التي أسقطها الربيع العربي ولم يقض عليها؛ من هذه التحالفات، وهي لا تزال تعيش منها وتفسح لها لأن المعركة لم تنته بعد (فهؤلاء الإخوان بسبع أرواح). وما يجري الآن في مصر وتونس والجزائر والمغرب هو تميتن التحالف بين اليسار (والقوميون جزء منهم)، ومواصلة المعركة ضد الإخوان وفروعهم دون التفطن (أو بالتجاهل المتعمد) إلى أن المعركة في جوهرها ليست ضد الإسلاميين بل هي ضد الديمقراطية والحرية للشعوب، بما في ذلك حرية دعم الشعوب لفلسطين على طريقة حكومة النهضة لسنة 2012 التي سافرت إلى غزة، وحكومة مرسي التي فتحت المعابر للدعم اللوجستي.

نلخص المشهد وإن كان غير قابل للتلخيص: ضحّى اليسار العربي بتاريخه النضالي الذي بناه في معركة تحرير فلسطين وبتاريخ المعارضة الاجتماعية للأنظمة التابعة (وهي ليست هينة)؛ من أجل خوض معركة يصر على أنها معركة وجود لا معركة من أجل الديمقراطية وبشروطها وووسائلها. ولذلك لا يمكن إلا أن نرى اليسار حليفا موضوعيا للأنظمة المعادية للديمقراطية، ولا يمكننا بحال انتظار مراجعات نظرية لهذا الموقف والموقع؛ لأن كل مراجعة تعني خسران الفوائد المجنية من تحالف غريب ولكنه مفيد جدا ماديا لليسار، فأُعطيات الأنظمة جزيلة ولديها المزيد بينما يوشك "الإخوانجية" أن يستولوا على كل شيء بما في ذلك شرعية تحرير فلسطين.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات