هل تعالج الساحات العربية أعطابها على ضوء صمود غزة؟

حتى أكثر أحباب المقاومة لم يكونوا يتوقعون صمودها حتى اليوم المائة من حرب طوفان الأقصى. لقد تجاوزت بكفاءتها وشجاعتها قدرة أنصارها على تخيل صمودها، ولقد راهن كثير من أعدائها على انهيارها في الأسبوع الأول في الشهر الأول ثم في الشهر الثاني ثم الثالث وكانوا في انتظار إعلان الاستسلام، لكن مؤشرات كثيرة تفيد في هذه اللحظة أن العدو هو من يبحث عن مخارج تجنبه إعلان هزيمة صريحة، والأمريكي الذي جاء منتصرا ومهددا يوم التاسع من تشرين الأول/ أكتوبر يأتي الآن مخلوع القلب لينقد ما يمكن إنقاذه من الكيان الذي تهشم جيشه وانهارت عزيمته وصار يحصي مصابيه ومعوقيه ويخفي أرقام قتلاه حتى عن جمهوره البائس.

لن نكتب في تمجيد المقاومة ولكن نعرج من ساحة الصمود في غزة على ساحات عربية ميتة ونطرح السؤال: هل تعدل هذه الساحات من خذلانها وتنتصر بصمود غزة على نفسها وتعيد بناء خطط المستقبل لقوم منتصرين؟

غزة معركة قومية خذلها قومها

لست من صاغ بديهة أن معركة تحرير فلطسين هي معركة تحرير أمة محتلة بشكل مباشر وغير مباشر، ولست من ربط مصير النهوض العربي بتحرير فلسطين. هذه بديهة تربت عليها الأجيال وصنعت خيالها النضالي منذ النكبة بل ربما قبل النكبة، لذلك لم يكن مستغربا أن تنتظر غزة من أهلها (العرب) أن ينصروها بما في أيديهم من معونة ومن موقف سياسي، وهي تفتح الجبهة المؤدية إلى التحرير.

في المقابل، ظهرت الساحات العربية مشتتة منقسمة على نفسها يائسة من احتمال النصر، وقال كثير من نخبها "العين لا تقاوم المخرز". واستُحضرت في هذه الساحات كل الخلافات الأيديولوجية حول طبيعة المقاومة ومشروعها البعيد المدى كمهرب من الاستحقاق التضامني التاريخي مع معركة حريات وتحرير، وهي النقاشات التي سارت دوما بالتوازي مع الحديث عن فلسطين. وحتى اليوم المائة نراقب جمود هذه الساحات إلا من جمهور طيب وعاجز ومشتت بتشتت النخب التي تركت مكانها القيادي وانصرفت إلى همومها الصغيرة؛ كأن ليس هناك حرب إبادة بالجوار.

المصابون بالأمل (المزمن) انتظروا مع تقدم الحرب وصمود المقاومة تغييرا في مواقف النخب التي أتخمت بحديث الحرية والتحرير منذ سبعين عاما، ولم نسمع من يقول هناك أمل بعد كل هذا الصمود. هل نقول هو الفرز التاريخي يجري أمامنا ونعتبره جزءا من النصر الذي حدث في المربع الصغير غزة الوحيدة؟

لا نميل في هذه الساعات الحاسمة إلى التعالي وإصدار الأحكام الأخلاقوية عن الصامتين وعن المتخاذلين، ولكننا لا يمكن أن نمر بجانب هذا الصمت الرسمي والنخبوي ولا نراه عجزا عن الاستثمار في هذا الصمود. إنه صمود مخيف يؤدي بالقوة إلى إعادة توضيح الصفوف والمواقع عملا على مستقبل قام اللحظة على انتصار حاسم.

الساحات العربية معطوبة

هذه ليست خلاصة عاطفية سريعة، بل يقين ثبت خلال مائة يوم (ولنا عليه أدلة مما قبل حرب الطوفان). وقد أملنا فيه تغييرا او علاجا شجاعا لكننا الآن أمام الحقيقة؛ هذه الساحات تحتاج إلى حرب طوفان داخلية بعيدة طبعا عن استعمال السلاح في بينها، ولكنها تحتاج أقوى من السلاح الحربي بل سلاح الشجاعة الاخلاقية والسياسية.

أهم عطب في هذه الساحات هو العطب الاستئصالي الذي ينعت المقاومة بالرجعية في قمة فعلها التقدمي (وهل تقدمية أفضل من حرب تحرير؟). وجب أن يظهر من النخب التي تزعم الحداثة والتقدمية والقومية من يقول بصوت شجاع لقد حررت غزة العرب وعليهم أن يرتقوا لمستوى حربها/ نضالها (لا داعي لأن يستعمل لفظ الجهاد فهذا لفظ يؤلم التقدميين)، وأن المكتسب في غزة هو مكاسب عربية تؤسس لوطن عربي حر يعاد فيه النظر في مسلمات ترسخت بالعجز بأنه لا يمكن التخلص من كيان محتل. لقد تهشم الكيان الذي يحتل كل الرقعة العربية، وسقط وانتهى دوره المعطل لكل إنجاز اقتصادي وسياسي بالضرورة ديمقراطي تحرري.

والبداية واضحة لكل ذي ضمير حي؛ الحرب الاسئتصالية ضد الإسلاميين في كل الرقعة العربية.. الحرب التي خربت الربيع العربي والتي أدت إلى الانقلابات والردة الفضيحة عن مكاسب الحرية والديمقراطية؛ وصلت نهايتها ولم يعد لها مبرر أخلاقي أو سياسي.

الإسلاميون جزء مكين وركن حصين من هذه الأمة، وقد خاضوا الحرب المطلوبة عربيا في غزة وانتصروا وما من داع فعلي لتصنيفهم كيانا غريبا او هجينا. يبدأ الأمر بقليل من الحياء، ولا داعي للاعتذار المنافق عما سلف من استئصال بثته القوى الاستعمارية بين الصفوف. غزة تطلب الآن وهنا من النخب السياسية والفكرية العربية من اليسار والقوميين والحداثيين عموما بداية جديدة؛ تبني على نصرها في حرب الطوفان (وما زالت فيه مراحل قاسية لكنها تراكم ولا تتراجع). فما من حداثة أفضل/ أحدث ولا أجمل ومن من قومية أعلى من نصر غزة.

إصلاح العطب عبر القبول بلعبة الديمقراطية

خريطة واضحة.. لحظات الديمقراطية القصيرة بعد الربيع العربي أثبتت لكل ذي نظر أن طريق التحرر العربية الشامل لا يحتاج سلاح غزة ضد عدو واضح، بل سلاح الديمقراطية ضد الدكتاتورية الذي ترسخه الأنظمة العميلة للكيان (التي تعيش بإسناده وتخدمه ضد مصالح شعوبها)، وفي ذهني بلدان شمال أفريقيا ومصر تحديدا.

في لعبة الديمقراطية الطويلة النفس أكثر من الحرب المباشرة ينتهي الاستئصال ويدار الحوار السياسي بروح انتصارية وبأمل في المستقبل؛ يقبل فيه الجميع نتيجة الاختيار الشعبي عبر الصندوق الانتخابي، ثم يكون نقاش وصراع سياسي حول البدائل والتفاصيل التي تقترحها الحاجة في كل مربع قُطري. وتبدأ عملية التعايش المضنية بين المختلفين حول البدائل والتصورات المستقبيلة، ولكن بوسائل الديمقراطية لا بالاستقواء بالأنظمة التي انكشفت كلها كأداوت في يد العدو؛ لا نفرق بين أحد منها ولو تظاهر بخطاب ثوري مغدور في العمق.

هنا تبدأ غزة نظريا في إصلاح أعطاب الساحات العربية، فإن لم تستجب فقد لحق بها ما لحق بالعدو من هزيمة (فلم تهزم غزة العدو وحده بل هزمت النخب والأنظمة التي تحميه وتكون غزة عمليا قد حسمت معركتها في غزة وحسمت معركة التحرير في الأقطار العربية)، وعلى من بقي في الساحات أن يواصل المعركة في اتجاه تحرير إرادة الجمهور المقهور.

ولا نود القول: من لم يكن مع غزة لن يكون مع الأمة، ولكن من كان ذا نظر يرى أن النصر في غزة حُسم في النخب التي ترفض رؤية حقيقة هذا الانتصار القومي.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات