أخرجت معركة الطوفان في غزة الربط بين الإسلام ومعركة تحرير فلسطين من الموضوع الحرام إلى الموضوع الأصوب. وهذا الربط يخيف الكيان وداعميه الغربيين ويخيف الأنظمة العربية الوظيفية التي تسند شرعيتها بخدمة الكيان. إن الجملة التي رددها كثيرون بأن تحرير فلسطين لا يكون إلا بالعودة إلى الجهاد هزت خرائط الشرعية في الشرق الأوسط، وقد طرح السؤال المرعب، ماذا لو تسرب نموذج حماس خارج غزة.
لقد ألح نتنياهو قبل الجميع على هذا الاحتمال ووضعه على طاولة النظام العربي كتهديد وجودي للأنظمة التي يعرف نقاط ضعفها. وله استجاب ترامب فشرع لتصنيف الإخوان حركة إرهابية.
يبرز تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كـ«منظمة إرهابية» إذن كحلقة متقدمة في سلسلة طويلة من استهداف الغرب للتيارات الإسلامية منذ عقود. إن مسألة التصنيف كما نراها الآن و هنا لا تقف عند حدود التوصيف القانوني أو الإجراء الأمني، بل تتجاوز ذلك إلى سعي محموم إلى إعادة ضبط المجال السياسي العربي وفق معايير السلطة الدولية(الغرب والكيان) وحلفائها الإقليميين(النظام العربي)، بحيث يتم تجريد القوى الحركية ذات الجذور الاجتماعية من القدرة على التأثير في الشارع أو المشاركة في تشكيل مستقبل المنطقة ولو سلميا كما دأب الإخوان ومن تفرع عنهم منذ تأسيسهم.
الطوفان كشف العمق الإخواني لحماس
شكّلت معركة الطوفان في غزة منعطفًا مفصليًا في قراءة الحركات الإسلامية، وبالأخص تلك المرتبطة بخط الإخوان. فالحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين فصائل فلسطينية والكيان في قطاع غزة المحدود بالجغرافيا، بل كانت مسرحًا مكشوفًا تجلت فيه الروابط التنظيمية والفكرية والمالية بين حركة حماس وبين الإخوان المسلمين في فضاء أوسع.
انكشفت مستويات التعاطف والدعم السياسي والإعلامي الواسع بين غزة في معركتها الأخيرة وبين مواقع التعاطف الشعبي في الأقطار العربية حيث لوحظ أن التحركات الكبرى للإسناد كانت تحركها الحركات الإسلامية في حدود ما بقي لها من حريات في أقطارها (وهذا سر قوة مظاهرات المغرب مقارنة بمصر التي أخرجت الإخوان من خريطة الفعل)،
هذا الانكشاف ثبت حقيقة كانت تدارى وهي أن حماس ليست مجرد فصيل مقاوم في غزة، بل نتاج تاريخ طويل من التنظيم الإخواني الممتد عبر العالم العربي كما كشف أن حالة التماهي العاطفي والفكري بين قواعد الإخوان وقضية غزة تجاوزت التعاطف الإنساني (الذي رأينا منه الكثير في الغرب) فتيقن العدو من عمق الامتداد التنظيمي بين حماس وجسد حركات الإسلام السياسي السنية وعلى رأسها الإخوان.
هذا الظهور أتاح للخصوم السياسيين والأعداء أيضا فرصة ذهبية لتثبيت روايتهم بأن الإخوان يشكلون بنية فوق-دولتية تتجاوز الحدود وتعمل خارج النظام الرسمي، وهو ما استُخدم كمبرر أساسي لتصنيف الجماعة في خانة "الإرهاب".
في هذا السياق، يبدو واضحًا أن التصنيف ليس مجرد قراءة أمريكية لخريطة الإرهاب التي ترهب بها العالم، بل هو جزء من استراتيجية هندسة المشهد السياسي العربي والدولي والإقليمي بحيث تُنزع القدرة الشعبية عن أي حركة قادرة على إعادة تعبئة الجماهير باتجاه التحرر الوطني. وتدمير الأمل في تضامن واسع يضع معركة التحرير في سياق معركة تحرر في كل قطر.
تجفيف منابع حماس عبر ضرب الحضن الإخواني.
كان مشهد القيادي أبو زهري يمسك "متلبسا" على معبر رفح بتهريب الأموال إلى الداخل وليس إلى الخارج مشهدا يعود باستمرار للذاكرة. إنه مشهد انكشاف الجسر الذي يربط حماس بالإخوان، لذلك قررت السياسات الدولية بقيادة ترامب تجفيف الروافد الخارجية لحركة حماس عبر ضرب الجذر لا قطع الغصن فقط، أي استهداف الإخوان المسلمين باعتبارهم الخزان المالي والتنظيمي والفكري الذي يغذي حماس ويحميها اجتماعيًا بقدر توفر هوامش حرية في كل قطر. ونحن على يقين أن العدو هو من وضع خطة تجفيف منابع حماس الإخوانية وبقي على قوة الإسناد الأمريكية أن تشرع الأمر وهو ما حصل فعلا بمجرد توقف القصف وستتولي الأنظمة استباحتهم (وقد استبق نظام الأردن).
هذا التصنيف، بتوقيته ومضامينه، يوحي بأنه لا يمكن فصل المعركة في غزة عن المعركة على الإخوان. فإضعاف الجماعة يؤدي بالضرورة إلى إضعاف الحركة الفلسطينية التي شكّلت في السنوات الأخيرة إحدى أكثر الظواهر المزعجة للمنظومة الإقليمية والدولية، لا سيما بعد أن كسرت صورة الردع الإسرائيلي وقدمت رواية مغايرة للهيمنة الغربية في الشرق الأوسط.
نتوقع مرحلة طويلة نسبيا من الابتزاز السياسي للأنظمة قبل تنفيذ التصنيف. سنسمع البلطجي الأمريكي يقول للأنظمة( نقدم لكم رأس الإخوان مقابل المزيد من التطبيع فما تقدمونه غير كاف، فرفض التهجير إلى مصر لم يسهل على العدو حربه كما أن ربط التطبيع بإعلان دولة فلسطينية يعتبر شرطا مزعجا) للسلام الترامبي. لكن للتصنيف أبعاد أخرى.
التصنيف كآلية لضبط المجال العام ومنع الديمقراطية
نضع القرار في سياقه الأوسع، فيتضح لنا أن المسألة لا تتعلق بالإخوان وحدهم، وإنما بما يمثّلونه من نموذج سياسي اجتماعي قادر على تحريك الشارع وتوليد طموح ديمقراطي. فالسلطات التي صنّفت الجماعة إرهابية لم تحمل همّ الأمن فقط، بل حملت أيضًا خوف السياسة من المجتمع، وخوف الدولة من المشاركة الشعبية، وخوف الغرب من أي مشروع نهضوي لا ينطلق من بواباته ولا يخضع لشبكاته. وقد سبق أن كتبنا أن تشجيع الغرب على تدمير موجة الربيع العربي بالانقلابات تأتي في نفس سياق محاربة كل نفس وطني ظهر في المنطقة من محمد مصدق الإيراني في الخمسينات إلى سلسلة الانقلابات العسكرية العربية والأفريقية واللاتينية منذ الستينات.
بهذا المعنى، يصبح التصنيف استباحة جديدة للحركات الاجتماعية العربية، وليس الإخوان فقط وهو مؤشرً واضح على المسار الذي تتجه إليه النظام الدولي في التعامل مع شعوب المنطقة أي المزيد من التضييق على الفعل السياسي، والمزيد من حراسة الأنظمة التابعة والمصطنعة، ومزيد من منع البدائل.
إن وصف جماعة تمتد في الشارع العربي بعنفوان تاريخي بأنها “إرهابية” ليس فقط قرارًا أمنيًا، بل إعلان نوايا بأن الديمقراطية في العالم العربي مؤجلة إلى ما لا نهاية، وأن المجال العام لن يُترك مفتوحًا أمام من يمتلك القدرة على تعبئة الناس وتنظيمهم لنصرة غزة (معركة تحرير) أو بناء الديمقراطية (معركة التحرر في الأقطار).
هكذا يُفهم التصنيف بوصفه محاولة لإغلاق الباب أمام أي مشروع تحرري قد يتشكل من تحت الدولة لا من فوقها، ولضمان ألا تتحول تجربة غزة إلى نموذج يُستلهم في ميادين عربية أخرى. فالمقصود هو منع تكرار التاريخ، ومنع المجتمع من أن ينجب قوة شعبية قادرة على كسر النسق القائم. (تسقط هنا وإلى الأبد أفكار طفولية تخيلت قيام تحالف إسلامي سني مع أهل الكتاب ضد الصين الملحدة).
استعادة الكيد الانجليزي العريق.
إن تصنيف الإخوان كجماعة إرهابية قرار بني على تخطيط متأن واستشرافي بعقل نصفه بالعقل الإنجليزي الذي رتب أمر المنطقة منذ قرن ولا تزال آثار تدابيره فعالة. و(ليس ترامب إلا نسخة انجليزية رديئة في تقديرنا).
وإذا كانت غزة قد كشفت عمق الارتباط بين المشروعين ( التحرير بالمقاومة المسلحة والتحرر بالمقاومة السلمية) فإن التصنيف ليس سوى خطوة إضافية في مشروع أكبر، إضعاف الحركات الوطنية القادرة على إعادة السياسة إلى الناس، بما يمنع الشعوب من الخروج من الحجر التاريخي الطويل المفروض عليها.
ومن لم ير هذا التصنيف من هذه الزاوية سيشارك في حفل واسع رأينا بعضه في تونس حيث استبشر كثيرون بالقرار لأنه يهدر دم خصم سياسي لهم لم يقدروا عليه بالصندوق الانتخابي فصفقوا لاستباحته من قبل العدو المشترك. نقول العدو المشترك رغم أن حفل الفرح بالقرار يجعلنا نشك بقوة في أن المتكلمين من العرب بالعداء للإمبريالية صادقون في عدائهم ولا داعي لتذكر أمثولة الثيران الثلاثة لقد قرأ الجميع كليلة ودمنة كمقرر مدرسي لكنا وجدناهم دوما سعداء بافتراس الثور الأبيض.