أين كنا وأين أصبحنا.. لكنه الفرز العظيم

"أين كنا وأين أصبحنا".. عبارة تونسية قد يكون لها مقابل عربي تستعمَل في سياقَين، أولهما متشائم نعبّر بها عن تراجع من وضعية مريحة إلى أخرى شقية، فنزيدها "لا حول ولا قوة إلا بالله"؛ كما يعبّر بها عن وضعية تجاوز نحو الأفضل، ونزيد معها عبارة "الحمد لله".

في السنة الأولى للثورة العربية/ الربيع العربي، كنا نحمد الله على الخروج من وضع الديكتاتورية الغاشمة ونتفاءل ونحمد. في هذه الأيام نستعمل العبارة بمعناها الثاني، ونحوقل واليأس يعمي العيون ويضيق الصدور، حتى أن الحوقلة صارت تعني أعتى أشكال الإحباط واليأس، لكننا سنستعملها بالمعنى الثاني ونحمد الله على الفرز العظيم.

من اقتحام غزة إلى الهروب من ذكرها

هذه الأيام تتعرض غزة إلى عملية تدمير، والصور تتوالى من هناك عن همجية الطيران على المدنيين، لكن التونسيين يغضّون الطرف عن غزة، ولسان حالهم يقول: "وين كنا"، وهم يتذكرون الزمن الثوري الذي اقتحم فيه وزراء في حكومة تونسية غزة، وسيرهم مع قادة المقاومة في شوارع غزة وأعلام غزة وراياتها تُرفع باليد نفسها مع راية تونس.

هذه الأيام، وتحت حكم الرجل الذي نجح في الانتخابات بجملة واحدة، "التطبيع خيانة عظمى"، يخرج علينا في الإعلام التونسي من يقول بوقاحة: "ما دخلنا بغزة؟ نحن نعاقب على ذهابنا إلى غزة"، ويزيد البعض أن تلك الزيارة الإرهابية ما كان لها أن تحدث.

أما صاحب العبارة فقد نسيَ عبارته، وهو يمعن الآن في قطع كل وشيجة بين مهجة تونسيين كثر تخفق قلوبهم لما يصيب غزة، والمكابدة الغزاوية للطيران الهمجي، ويتهم إعلامه كل التفاتة إلى هناك بالإرهاب. إنه زمن لا تفيد فيه الحوقلة.

رغم ذلك، بل بسبب ذلك نعيد إعلان الانتماء للربيع العربي، ونعيد التأكيد على أنه الأفق الوحيد لتحرير غزة ولتحرير تونس قبل ذلك، فالذين يتهموننا الآن بالإرهاب لمجرد ذكر غزة هم صنيعة صهيونية، وبعض صهيونيتهم تفريغ الربيع العربي من زخمه النضالي التحرري، إنه خط واحد سمّيناه ولم نخطئ خط الردة العربية أو خط الثورة المضادة، ولنسمه بلا وجل خط الصهاينة العرب.

ها هو خط الصهاينة العرب؟

هذا الخط هو الذي انقلب على الديمقراطية بمصر، فحظيَ بدعم بقية الصهاينة من تونس إلى الإمارات، وهو خط حفتر الذي خرّب الثورة الليبية وقسم ليبيا ويعمل على منع كل حل سياسي فيها، وهو الخط نفسه الذي حوّل الثورة السورية إلى حرب أهلية، فأنقذ نظام بشار من الانهيار في الساعات الأخيرة، وقد وقفت الثورة على أبواب دمشق فإذا سوريا محتلة من كل قوى العالم، وهو الخط نفسه الذي اقتحم على اليمنيين بيتهم المنيع، فإذا حرب أهلية جوّعت اليمن ودمّرت ثورته.

خط مترابط حول أجندة إجرامية معادية لشعوبها يصفق له الصهاينة عند كل خطوة، ويموّلونه ويحمونه بالإعلام العالمي. خط جعل الحديث عن غزة يربك كل متعاطف ويخيفه، وهو الخوف نفسه الذي كان قبل الربيع العربي.

فقد كانت ديكتاتوريات ما قبل الربيع العربي (بن علي، مبارك، القذافي، الأسد، علي صالح وكل الطيف المجرم) تحمي نفسها من شعوبها بالمنطلق الخياني نفسه، وقد يقنت أن الاحتماء بالصهاينة يديم لهم ملكهم أكثر من الولاء لشعوبهم وتطوير قدراتهم وتحرير عقولهم.

الطريق تتجلى لكل حصيف

لقد أعاد الربيع العربي للشعوب حريتها، وكشف لها الطريق نحو التحرير، وكان الصهاينة أول من عرف قيمة الثورة لذلك حورب الربيع ودُمّرت الآمال المعلقة عليه، لكن رغم ذلك نقول بثقة تلك الطريق لم تفقد معالمها بل ازدادت وضوحًا.

هناك مكتسبات تراكمت نشير إلى بعضها، لقد عاشت الشعوب العربية أكثر من نصف قرن تستمع إلى إذاعة "صوت العرب" القومية، تتحدث عن التحرير وعن المعركة القومية وعن البعث وعن القيامة.. إلخ، فلمّا فُتحت الطريق وجدنا التيار القومي بكل شخصياته ومسمياته الحزبية يقف بلا خجل مع الردة ومع الصهاينة، بل إن هذا التيار هو من أطلق على الربيع العربي اسم الربيع العبري (ويحمل حسنين هيكل عار نطق العبارة قبل غيره في "الأهرام" في فبراير/ شباط 2012).

لقد تحرر الربيع العربي من أدعياء العروبة من قوميين ويسار خدعوا الأمة لعقود طويلة بخطاب ثورجي سفيه، وكان هؤلاء إحدى أكبر العقبات المندسّة في الثورة، وقلة من كان ينتبه إلى حقيقة دورهم.

الآن نفهم لماذا كانت الأنظمة الفاسدة تمكّن هؤلاء في الإعلام وفي الثقافة، وتقدّمهم على المعارضين وتتظاهر بمنعهم، هذه حقيقة كانت خفية وكان يجب أن تتجلى حتى تفرز الصفوف.

ما كان الربيع ليتقدم بجرثوم يسكن مفاصله، لذلك هذا الفرز العظيم والذي تمَّ في وقت قصير نسبيًّا هو خطوة جبارة على طريق انتصار الربيع العربي، نكتبه في لحظة يبدو فيها الربيع العربي مهزومًا وأنصاره مقهورين، من غزة إلى تونس، مرورًا بالسودان المفلوق بين عسكريَّين كلامهما يستجدي شرعيتهما من الصهاينة.

يحتاج المؤمنون في الثورة إلى بعض الإيمان بأنفسهم

نستعيد مشهدًا روائيًّا ذا دلالة أورده ماركيز في سيرة المحرر بوليفار "الجنرال في متاهته"، كان الجنرال قد فقدَ أغلب قواته بعد انفصال المناطق المحررة عن سلطته، وكان مع قلة باقية من المخلصين يغرق في مستنقع لعله مستنقعات فنزويلا، فوقف على ظهر جواده وحيدًا ورأى من داخل المستنقع المستقبل جليًّا، وتنبّأ بالنصر وهو في أضعف حالاته العسكرية، وكانت نبوءة تحققت وتحررت بها أمريكا اللاتينية من الاحتلال الإسباني بعد تلك الوقفة العزلاء.

تلك اللحظة الإيمانية (غير الواقعية) لم تتعلل بالعجز وقلة الجند وضعف التسليح، بل كشفت إيمان رجل بمهمته، ونرى أنصار الربيع العربي يحتاجونها بالوضوح نفسه دون التعلُّل بقلة الإمكانات.

يقتضي هذا الإيمان التحول عن موقف الخوف من اليسار والقوميين أولًا، ثم الإمعان في السخرية من ثوريتهم الكاذبة وممارسة أعلى درجات الاحتقار، أي عدم التعويل عليهم في أية معركة من معارك الحرية.

هذه خطوة فعّالة وثورية، فطابور الخيانة الذي خرّب من الداخل بفعالية أكبر من التخريب الصهيوني من الخارج، وجب إسقاطه من حسابات المستقبل، ثم العمل دونه بل اعتباره طابورًا معاديًا بلا وجل.

قد لا يكون الربيع العربي محتاجًا إلى العدد بل إلى الصدق الفعّال والفرز المتواصل كل ساعة. ربما سيعاد تقدير أثمان المرحلة القادمة وقد تكون مرتفعة، لكن غزة ملهمة. القلة الواثقة هناك لم تتوقف عن كشف الطريق، ومن آمن بغزة يستكمل إيمانه بالخروج من وضع الخوف والتردد. لقد اتضحت وجوه الخونة وأصبحنا في وضع أفضل، ونعقب بـ"الحمد الله" على الفرز السريع.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات