الشّعوب الرّاسخة في الوعي والحريّة لا تُلقي بالدّيمقراطيّة عند أوّل انحراف لها، بل تقاوم من أجل معالجة الانحرافات الشّعبويّة وإنقاذ ديمقراطيّتها.
لعلّ هذا ما يمكن الانتباه إليه ونحن نتابع التّجارب الدّيمقراطيّة الكبرى في العالم، ونشاهد التجربة الأمريكيّة في شراسة دفاعها عن الدّيمقراطيّة الواقعة في مخالب ترامب الشّعبوي.
الشّعوب الرّاسخة في الدّيمقراطيّة لا تنزلق إلى فخاخ الصّراعات الهوويّة ولا إلى إغواءات الفاشيّة ووعودها الزّائفة بالخلاص على يد الفرد الواحد، ولا إلى العداوة والكراهيّة المدمّرة، ولا إلى الرّغبات المزاجيّة في استعراض القوّة وتدمير العالم، لأنّ رسوخ المؤسّسات والدّستور يحمي الوجدان الجماعي من العبث، ولأنّ الإعلام اللّيبيرالي مهما بلغت درجة خضوعه لرأس المال واللّوبيات المهيمنة، فإنّه يظلّ حرّا في جزء منه، قادرا على إنجاز دوره.
ما يعنيني كمتابعة تحلم بديمقراطيّة اجتماعيّة حقيقيّة في بلادها، هي هذه الطّريقة في معالجة الانزلاقات الشعبويّة والفاشيّة بنفس الآليات الدّيمقراطيّة ، وداخل الجسم الدّيمقراطيّ الذي اكتسب مناعة مقاومة الانحرافات بفعل تراكم التّجارب والصّراعات وتجذّر أقدام هذا الجسم في ارض صلبة.
إنّها ديمقراطيّة قادرة على تحمّل الضّربات والخروج أقوى. ما يعنيني أيضا هو عدم لجوء السّلطة إلى القمع وفلسفة العقاب رغم عنف الخطاب أحيانا. هناك معارك حادّة وشرسة ولكنّها لا تصل درجة الرّغبة في القضاء على الخصم بإلقائه في السّجن مثلا بعد تلفيق تهمة له. تبدو هذه الممارسات غريبة عن هذه البنية الدّيمقراطيّة العريقة. هي تهم تصنعها دول لاتزال محكومة ببنية استبداديّة، رغم أوهامها الدّيمقراطيّة.
والأهمّ، أنّ هذه الدّيمقراطيّة واجهت الإقصاء وحملات الوصم والتنمّر والتّحقير بلغة ديمقراطيّة عالية لا تجيدها إلّا الشّعوب الممتلئة وعيا وإيمانا بالحريّة: لقد انتخبت من تراه الأجدر رغم اختلافه في الأصل والدّين والهويّة. إنّه إقرار بأنّ الحريّة ليست شعارا يرفع كما يدّعي البعض، بل ممارسة عميقة تهب الفرد المختلف والجريء والشّجاع المساحة الكافية ليفعل في التّاريخ.
أجل. قد يأتي الدّرس من أمريكا الامبرياليّة ، تلك التي قلنا عنها دوما مع محمود درويش: أمريكا هي الطّاعون، والطّاعون أمريكا.
ولكن، وفي ظلّ تعدّد الامبريالات شرقا وغربا، يصبح الانتماء إلى أصوات الشّعوب وحدها، حين ترفع نشيد الحريّة، وتصغي إلى ملحمة الطّوفان، وتقاوم الفاشيات بأنواعها وبكلّ تمظهراتها، الشّعبويّة وغيرها.