بالإمكان أن نعلن اليوم لا موت العدالة الانتقاليّة ( التي ماتت منذ زمن ) والتي كانت إحدى ركائز الانتقال الدّيمقراطيّ وشروطه، بل موت مشروع مجتمعي سياسي واقتصادي وثقافي كامل كان بإمكانه أن يتحقّق لو استمرّت العدالة الانتقاليّة في تحقيق أهدافها.
فهذه العدالة التي تهدف إلى معالجة جروح المجتمع التّاريخيّة عبر الحفر في إرث الانتهاكات بأنواعها وتحديد المسؤوليّات والاعتراف بها ، ليست سوى قاعدة ضروريّة لتأسيس مجتمع متجاوز للشّروخ العميقة التي أنتجتها المظالم التّاريخيّة المتراكمة على مدى عقود، مجتمع متحرّر من موروث الاستبداد الثّقافي، وقادر على الانتفاض في وجه الاستغلال بأنواعه وبناء تصوّر لاقتصاد أكثر عدالة .
اليوم نشهد انهيار جدار العدالة الأخير، وبغضّ النّظر عن كون اختيار " العدالة الانتقاليّة " كان انحرافا عن الثّورة كما يقول الثّوريون الذين تحوّل بعضهم إلى جلّادين جدد، فإنّ ما يمكن تأكيده أنّ أعمال هيئة الحقيقة والكرامة قد أحدثت رجّة في أوساط المنظومة السّابقة للثّورة وخاصّة منهم المتورّطين في قضايا التّعذيب والفساد المالي حيث تكتّلوا داخل تنظيمات حزبيّة ومدنيّة غايتها التصدّي لأيّ شكل من أشكال المحاسبة ورفض الٌإقرار بارتكاب جرائم وانتهاكات، وقد عاينّا كمواطنين سعيهم طوال العشريّة السّابقة إلى المغالطة والتّزوير والتّزييف وطمس الجريمة عبر التّجييش والتّلاعب والكذب وتحويل الوجهات. .
النّتيجة مجتمع من الفوضى والجهل والأحقاد والصّمت الحزين. لا شيء يقول إنّنا سنكون بخير غدا وسط هذا الإصرار على ملاحقة كلّ من حاول أن يبحث في حقيقة هذا البلد المغيّبة والمطموسة والمزيّفة. لا شيء سيقول إنّنا بهذه " القرارات الثّوريّة " التي تشفي الغليل عبر الانتقام ممّن اجتهدوا ليجدوا السّبيل إلى الحقيقة سنكون شعبا من الأسوياء، فالانتقام لا يبني مجتمعا سويّا. كان يمكن أن يتحقّق ذلك ونحن نفتح جراحاتنا ونتأمّلها ونفكّر فيها ونتمثّلها ونتعاطف مع حامليها ونبكي معا كما بكى العيّاشي الهمّامي وهو يشاهد الضحيّة تعرّي جرحها في إحدى جلسات هيئة الحقيقة والكرامة،
كان يمكن
أمّا الآن فقد فات الأوان، لقد طغى منطق عجيب أبعدنا عن رحابة الاعتراف والتّعاطف إلى ضيق التشفّي وضغط الحمقى وأبديّة الزّنازين.
ولكن للتّاريخ أحكامه التي لا ندري.