الآن، وبعد مرور خمسة عشرة سنة عشناها بكلّ انتظاراتها وإخفاقاتها، صرت أشدّ يقينا بالثّورة وأكثر إيمانا بحاجتنا الوجوديّة إلى استكمالها. الأمر لا يتعلّق بتغيير النّظام السّياسي فحسب، بل يتعلّق بالإنسان. فتلك الومضة الواعدة المسمّاة ثورة كانت إيذانا بتحرير الإنسان من الأعطاب والتشوّهات التي تؤجّل انتماءه إلى الكون، وليس كالاستبداد قدرة على مسخ الذّات.
ففترة التّرويع في عهد بن علي لم تكن اختلالا سياسيّا فحسب، بل كانت اختلالا إنسانيّا وأخلاقيّا أصابت الإنسان في أعماقه، في وجوده الرّوحي، في جسده وعقله. لقد كان هناك عنف في التّطبيع مع السّرقة والنّهب والتحيّل واللّصوصيّة، وزرع للفساد في مفاصل الدّولة، وإباحة للصّعلكة كسلوك وللهمجيّة كطريقة للحضور، وكانت هناك ثقافة الواجهة البرّاقة التي تخفي الحقيقة.
وكان يكفي أن تحدث الانتفاضة حتّى تغادر الأعطاب قواقعها وتنكشف في عراء الحريّة الكاشفة لكل شيء. ما رأيناه في عشرية الحرية وما سمعناه كان أشبه بالبوح السّريري لمريض الاستبداد الذي يحتاج وقتا طويلا ليتعافى. وكان كلّ هذا طبيعيّا بل طبيعيّا جدّا لمن شكّلته حقب الاستبداد ففاجأته تجربة الحريّة والدّيمقراطيّة بكلّ مناخاتها وبكلّ وعودها المغوية. أمّا غير الطّبيعي فهو إطلاق نعت السّواد على هذه العشريّة التي كانت مختبرا كبيرا وحقيقيا لقدرتنا على الحريّة، نعت يستبطن عنصريّة باستهجان الأسود ويؤكّد فقدان النّاعتين لمشروع أخلاقيّ ومجتمعيّ حقيقي.
اليوم ومع الانتكاسة، نشهد نكوصا مريعا إلى الوراء باستعادة وظيفة السّجن كفضاء للتّرويع والعقاب، ومع هذا النّكوص ينتعش مريض الاستبداد وتعود إليه كلّ السّلوكيّات المنحرفة والمواقف المذلّة والرّفض العدميّ والانزلاقات الخطيرة. كلّ هذا يجعل من التّعافي أمرا صعبا، وكلّ هذا يجعلني على يقين أكثر بحاجتنا الوجوديّة والأخلاقيّة إلى مناخات الحريّة والدّيمقراطيّة من أجل استقامة الإنسان.
لعلّ المحن والتّجارب القاسية التي نمرّ بها تكون أقدر على ترسيخ القناعة الدّيمقراطيّة في العقول، رغم كلّ العدوانيّة والتّهم التي يختنق داخلها كل خطاب ديمقراطيّ، ويكفي أن نشاهد الأجيال التي كبرت في العشريّة " السّوداء" تخرج اليوم في مظاهرات للمطالبة بالحريّة لندرك أنّ هذا " السّواد " قد نجح نسبيّا في تحرير " الجينات " التّونسيّة من قدرها الاستبدادي الأحمق.