اللّايقين

وسط اللّايقين الذي أعيش، لديّ يقين وحيد بأنّ ما حدث كان يجب أن يحدث، تماما كما يحدث زلزال نكتشف به وهن البناءات التي أقمنا والتي توهّمنا يوما أنّها قويّة وكفيلة بالصّمود، وكما نكتشف وهن أفراد لم يقدروا على رفع الأنقاض وإنقاذ الأرواح.

هكذا يضعنا الانقلاب أمام أنفسنا لندرك أنّها كانت بناءات ديمقراطية دون قاعدة ديمقراطيّة ودون جرأة ديمقراطيّة ودون " روح " ديمقراطيّة لمجموعة بشريّة تهون لديها الديمقراطية ولا تهون قبضة البوليس، لأنّها في تمثّلها العميق للحكم لا تراه إلّا متجسّدا في فرد قويّ بالأجهزة يملك مفاتيح العالم.

في الحرب العالمية الثانية وخلال حملة تونس انحاز جلّ التونسيين إلى قوات المحور ورحّبوا بجند الفيرماخت كما يرحّب بالغزاة الفاتحين واعتبروا هتلر نصيرا لهم وللإسلام والمسلمين وكانوا يتابعون أخباره وخطبه على إذاعة برلين بالعربيّة كما يتابعون أخبار موسيليني حليف هتلر على إذاعة باري الإيطالية، وكانت أخبار الفوهرر والدوتشي تهب التونسيين شعورا واهما متعاظما بالنّصر القريب والأكيد بفضل الذّات " المتألّهة " للرجلين.

ورغم سقوطهما نهاية الحرب العالميّة الثانية إلّا أنّ أجدادنا ورّثونا تمثّل القوّة في الفرد الخارق الذي ترسّخ مع أنظمة كليّة شموليّة تقنّعت بشعارات المقاومة للاستعمار الغربي للمحافظة على جوهرها الفاشي، وترسّخت لدينا مع شخصيّة الزّعيم الفرد غيلان تونس ثمّ مع المنقلب الأوّل، فاشيّة لم ينج منها أحد وامتدّت كبقعة زيت لتؤثّر على بنية المجتمع وبنية العقل والثقافة فإذا بنا أمام " فاشيّة " المثقف " وفاشية " الجاهل" وفاشيّة " الديمقراطي " وفاشية المجتمع.

هكذا وسط هذه الأرض المحكومة بالسّحر الحديث والوثنيّة الجديدة كانت إقامة أوّل " مدينة " ديمقراطيّة عربيّة مغامرة تحتاج إلى كثير من الجرأة السياسيّة وثبات الأيدي والرّؤى الصّائبة لحمايتها من الريح والزّلزال، ومن تناوب " الفاشيات “ بأنواعها عليها.

هذه " المدينة " حزينة اليوم بعد تداعي مبانيها، سلطانها غاضب أو غائب، أهلها يهجرونها أو يقيمون بها على مضض، قلق جماعيّ يشبه القلق الوجوديّ بعد حرب كونيّة، سيزيف تسقط صخرته إلى السّفح فلا يلتفت إليها ثانية، وطوفان من الهراء والأوهام للبقاء.

تجربة " التداعي " هذه لم نمرّ بها وحدنا، لقد سبق أن مرّت بها شعوب قبلنا ، وهي قد تشبه تجربة النّهوض بعد مرض أو انهيار، وقد تكون مناسبة لتمثّل جديد لحضورنا على هذه الأرض، ندرك فيه أنّ الديمقراطيّة تظلّ الشكل الأنبل والأرقى لوجود لا يجب أن نضيّع فيه مصيرنا وراء أوهام الخلاص النهائيّ التي يأتي بها الدوتشي الجديد.

أتراني على يقين ب: كيف نحقق هذا الوجود؟ أنا الآن اللّايقين لا غير. ولعلّه الموقف الفكريّ الملائم لما نعيش.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات