ربما على الشر أن يبلغ أقصاه في هذه البلاد المنكوبة حتى ندرك أن البلاد تحتاج أن تدار بعقل حكيم لا بعقل انتقامي دموي. لقد احتاجت شعوب أخرى أن تمر بطوفان دماء وبمقاصل لقطع الرؤوس وقباء لدفن البشر أحياء لتعي بعد زمن أن قدرنا على الأرض العيش معا على اختلافنا، وأن عداواتنا البدائية المقنعة بقناع الإيديولوجيا ليست، بعد مرور ٱلاف السنين على نشأة الإنسان، سوى حماقات سخيفة لعقل بشري لم يجاوز وجوده الغريزي نحو وجود ثقافي وأخلاقي أعلى.
ربما على الشر أن يبلغ أقصاه وأن تتسع دائرته وأن تتالى الصدمات أمام هول العبث الذي نرى حتى نفهم أن لا شيء أثمن من الحرية التي أهدتنا إياها ثورة سالت من أجلها دماء الشهداء، حرية حوربت بشراسة داخليا وخارجيا ووظفت من أجل القضاء عليها كل الوسائل القانونية وما قبل القانون، لأنها، أي الحرية، وحدها كفيلة بإخراج العقل التونسي / العربي من العطب التاريخي وإحداث نقلة حقيقية في الكيان التونسي / العربي من الاستعباد إلى التحرر.
تأتي هذه الأحكام العبثية المفجعة في إطار مزيد العبث بالعقل التونسي واستعباده بالقانون وخلق مناخ انتقامي لا سبيل فيه إلى التفكير.
أحكام تؤكد أن معركتنا وجودية، أساسها الحرية والعدل، وكل ما يحدث اليوم معاد لهما وإن تكلم باسمهما، معاد للثورة وإن اختبأ وراءها، معاد للتونسي وإن أوهم أنه يريد.
ومازال الشر ينتظره أقصاه، ومازلنا بحاجة إلى تجارب أقسى، من أجل أن يحدث ذلك الشيء الذي لا بد له أن يحدث.