على أي دولة إجتماعية نتحدث ؟

الدولة الاجتماعية؟ لنتحدث عنها إذن. ولنبدأ بالفقر، ولنبدأ تحديدًا بفقر الأطفال في بلادنا. ما سأقدمه في هذا الحديث مؤلم و مؤسف إلى أبعد الحدود و بالرغم من أن هذا الموضوع لا يمكن أن يحضى إلا بتوافق الجميع إلا أنه بقي موضوع معالجة الظاهرة من غير معالجة أسبابها العميقة.

طفل واحد من كل أربعة أطفال في تونس يعيش اليوم تحت خط الفقر الرسمي (211 دينارًا شهريًا للفرد). الأطفال يمثلون 27% فقط من السكان، لكنهم يشكّلون 40% من الفقراء — تمثيل مفرط لا يمكن تبريره بالصدفة، بل بمنطق بنيوي يعيد إنتاج نفسه جيلاً بعد جيل.

الأرقام تكشف بلدًا بسرعتين. في تونس الكبرى، 8% فقط من الأطفال فقراء؛ في الوسط الغربي، النسبة تقفز إلى 50%. في الريف، 36% مقابل 20% في المدن. طفل يولد بإعاقة يجد معدل تمدرس لا يتجاوز 41%، مقابل 97.3% لأقرانه. طفل من أسرة فقيرة يلتحق بالتعليم قبل المدرسي بنسبة 13.1% فقط، مقابل 80.9% لأقرانه من الأسر الميسورة. وبيانات البنك الدولي تضع تونس، إلى جانب مصر وغواتيمالا، من بين الدول الأدنى حراكًا اجتماعيًا في العالم: دخل الأب يكاد يحدد مصير الابن بشكل شبه آلي. هذا الطفل لا يخسر لأنه لم يجتهد ، إنه يخسر المباراة قبل أن يُولد، بحسب الجهة والأسرة التي قُدِّر له أن يأتي إليهما.

ولفهم عجز الدولة عن كسر هذه الحلقة، لا بد من تمييز منهجي بين نمطين من المعالجة. الأول معالجة الظواهر: يدير مظاهر الفقر كما تبدو — منحة، بطاقة علاج، مساعدة ظرفية — دون المساس بالآلية التي تنتجه. الثاني معالجة بنيوية: يستهدف الأسباب الجذرية نفسها ( نموذج التنمية، توزيع الثروة بين الجهات، هيكل الأجور ) بما يفكك شرط إعادة إنتاج الفقر جيلاً بعد جيل، لا أن يخفف وطأته فحسب. والملاحَظ، بمراجعة السياسات العمومية التونسية منذ 2011، أن الدولة اكتفت بالنمط الأول بأدوات متفاوتة النجاعة، بينما ظلت المعالجة البنيوية للأسباب العميقة غائبة كليًا عن الفعل الحكومي ، غياب ليس عرَضيًا، بل خيارًا يعكس توازنات مصالح لا تريد المساس بها.

هذا التمييز يتجلى بوضوح في المقاربتين القائمتين فعليًا، وكلتاهما قاصرة. الأولى إسعافية: منح شهرية (30 دينارًا للطفل)، بطاقات علاج مجاني، تحوّل أخير نحو التمويل الوطني بدل الاعتماد على مانحين أجانب. لكن قيمة المنحة لم تُراجَع منذ 2020 رغم تضخم حقيقي يقارب 9% سنويًا، ونصف الأطفال الفقراء تقريبًا لا يزالون خارج التغطية، وبطاقة العلاج تصطدم بمنظومة صحية مفلسة (ديون الصيدلية المركزية تجاوزت 1.26 مليار دينار) لا تملك مستشفى جامعيًا واحدًا في كل المناطق الداخلية. الثانية، وهي الأقرب نظريًا إلى معالجة بنيوية: برنامج التنمية الجهوية، الأداة الوحيدة التي كان يُفترض أن تعالج جذر التفاوت. لكن الدولة نفسها تُقر بفشله، دون أن تصلحه. نموذج الأجور المنخفضة الذي يجعل تونس تنافس بيد عاملة رخيصة بدل الإنتاجية — لم يُطرح إصلاحه يومًا. نصف السكان بلا حساب بنكي، والاقتصاد الموازي يبتلع 45% من العمالة، دون معالجة جدّية لأي منهما.

حتى محاولة أهلية بسيطة ( فتح روضة أطفال في حي شعبي ) تصطدم بمعادلة مستحيلة: الأسر لا تدفع أكثر من 40 أو 50 دينارًا شهريًا، بينما القانون يفرض إطارًا تربويًا واحدًا لكل خمسة رضّع. النتيجة: 500 مؤسسة أُغلقت في السنوات الأخيرة، وقطاع بأكمله يوشك على الانهيار، بينما تتكاثر "الفضاءات الفوضوية" لأن لا أحد يملك ثمن الشرعية.

والمفارقة السياسية هي جوهر المشكلة. لا يوجد حزب في تونس، سلطة كان أو معارضة، لا يتحدث عن "الدولة الاجتماعية". الجميع يستحضر "الزَّوالي" في خطابه، يتعاطف معه، يعده بالحماية. لكن هذا الحديث نفسه أصبح بديلاً عن الفعل، لا مقدمة له: "الزواليزم" ( توظيف صورة الفقير خطابيًا و شعبويا بدل تفكيك الأسباب التي تنتجه و وضعها تحت النقاش المجتمهي الجاد). لأن تفكيكها الفعلي يعني مواجهة مصالح راسخة: نموذج أجور رخيصة يستفيد منه مستثمرون، ونظام دعم غير مُستهدف يستفيد منه الأغنياء أكثر من الفقراء، وتوازنات جهوية قديمة لا أحد يريد إزعاجها.

تجارب أخرى نجحت حيث فشلت تونس: البرازيل خفّضت الفقر المدقع بنسبة تصل إلى النصف عبر استهداف دقيق؛ المغرب قلّص الانقطاع المدرسي بـ70% ببرنامج جهوي بسيط؛ تركيا ضيّقت فجوة الدخل بين شرقها وغربها بثلث خلال 15 سنة. الوصفات معروفة. الفجوة مع تونس ليست معرفية، بل سياسية بحتة.

السؤال الذي يفرض نفسه أخيرًا لا مفر منه: أي مستقبل لبلد يكبر فيه اليوم قرابة مليون طفل في الفقر، بينما الجميع متفق على شعار لا أحد يترجمه؟ حين يتقرر مصير جيل كامل بحكم مسبق — قبل أن يُولد، لا بعد أن يجتهد — فإن الخطر لم يعد اجتماعيًا فقط، بل وجوديًا: بلد يُراهن على جيل مستقبل لا يستثمر فيه اليوم.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات