قيس سعيد : الهروب إلى الأمام…

قتل قيس سعيد السياسة كما فعل بن علي قبله. لم تتمكن منظومة بن علي في أواخر سنواتها من إلتقاط الإشارات لإنتهاء صلاحيتها و لم تستطع تجديد نفسها.

قتل السياسة لا يقضي على المعارضة بأنواعها و على الأجسام الوسيطة فقط و لكن يقضي كذلك على منظومة الحكم نفسها لأنها تفقد بذلك إمكانية التعامل مع الواقع الإجتماعي و الإقتصادي و السياسي حتى في صلبها. و هذا ما نراه اليوم في منظومة حكم قيس سعيد التي أعطت البلاد مناولة للإدارة التونسية في كل ما يهم تسيير الشأن العام و أعطت البلاد مناولة للدولة القضائية و الأمنية لتصفية كل نفس معارض.

الإدارة التونسية اليوم لا تستطيع تسيير الشأن العام لأنها تفتقد للسياسة و هي التي كانت دائما تحت قبة الحزب الواحد و هي تفتقد إلى كل مقومات الحكم من رؤيا إستشرافية و وعي بالعالم و قدرة على التفاوض، و هي لا تمتلك الشرعية و لا الكفاءة لبناء مخطط تنموي و الذي هو بالأساس برنامج سياسي قبل أن يكون تقنيا. قتل السياسة هو قتل لقدرات البلاد للتخطيط و المنافسة.

أما الدولة القضائية و الأمنية و التي إستطاعت لأسباب عديدة تهميش كل الأحزاب و تقليص حضورها و تهميش كل المنظمات الوطنية التاريخية و القضاء على حرية الإعلام فهي اليد الباطشة لقتل السياسة في البلاد و هي نجحت في ذلك إلى حد كبير.

ما لا تراه منظومة الحكم أنها بقتل السياسة حكمت على نفسها بالعزلة التامة عن محيطها القريب و عن محيطها الإقليمي و الدولي و قضت على قدرتها على إلتقاط الإشارات (و خاصة الضعيفة منها) من نبض المجتمع.

السياسة ليست كما تتخيل النفوس الضعيفة و الجاهلة مناورة أو تلاعب أو فساد أو مؤامرة .. السياسة هي قبل كل شيء الإعتناء بالشأن العام و الحفاظ على السلم الأهلية و التقدم نحو الأفضل و أخذ موضع محترم في المسيرة الإنسانية .. و لأننا مختلفون دائما و في كل العصور و المجتمعات ، فهي القدرة على التفاوض النزيه و السليم و البنّاء.

من لا يرى ذلك يحكم على نفسه بالخروج من دورة حضارية و لن تبقى له إلا سياسة واحدة : الهروب إلى الأمام

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات