بصفة عقلانية و موضوعية، هل يمكن لأي مسؤول دولة في مستوى رئاستها النجاح من غير حزام سياسي ؟ بالطبع لا.
و هل لقيس سعيد حزام سياسي ؟ هو أولا لا يعترف و لا يريد أن يعترف بذلك فهو بمرتبة المرشد الأعلى الذي يحتاجه الآخرون و هو لا يحتاج لأحد.
مع من يحكم إذا ؟ على المستوى السياسي لا أحد .. لقد قتل السياسة بمعناها النبيل أي النقاش العام للمصلحة العامة .. الحكومة تنفي عن نفسها السياسة و برلمان دستور قيس سعيد عبارة على مجموعة أشخاص لا يجمعها برنامج و لا رؤى و إنما نقاشات و بعض الحرية عند مناقشة قانون المالية و التي ترفض الحكومة بعد ذلك إصدار الأوامر الترتيبية لها من غير أي إمكانية أن تسائل من طرف البرلمان أو رئيس الدولة الذي لا يعترف في هذه الحالة بالإرادة الشعبية التي سطرها دستوره !
قتلت منظومة قيس سعيد السياسة بمعناها النبيل و هو لا يمتلك حزاما سياسيا أو رؤية سياسية للبلد و لذلك فهو لا يمتلك أدنى المقومات الضرورية للنجاح بل يعطي انطباع التخبط العشوائي الذي يمس كل مظاهر الحياة العامة.
لم تكتف المنظومة بقتل السياسة النبيلة، فقتلت حتى نجاعة الإدارة التي تحكم معه في تدبير الشأن العام .. هو إختار أن يحكم بالإدارة و معها و في نفس الوقت ينتقدها أشد الإنتقاد و لا يكف عن تهديدها و محاكمتها علنيا و هذا يربك مسؤوليها و يمنعهم من أخذ مسؤولياتهم خوفا من أي تبعات ممكنة. و هو يرى عدم نجاعة إدارته و لكن لا يعرف أسبابها.
هذه الإدارة التونسية هي التي تسطر البرامج و تخطط مخططات التنمية و تشرع كل القوانين من غير أي رؤية سياسية و هي لا تملك إلا أن تستبد لأن تلك طبيعة الأشياء و هي في بلادنا لا تملك إلا جرأة مقاومة التغيير.
يظن قيس سعيد و مناصروه أن السياسة ممكنة من غير أحزاب سياسية و هاهو يثبت لنا عكس ذلك بممارسات منذ 2019 و بالتحديد منذ 2022 عندما إمتلك كل أجهزة السلطة و مؤسساتها.
الأحزاب السياسية هي مدارس للسياسة أو كذلك يجب أن تكون، مبنية على فكر سياسي و إيديولوجيا تمكنها من قراءة التاريخ و الحاضر و المستقبل و هي كذلك حاضنة للأفكار و المشاريع و خطط العمل و لا يستقيم عملها بالطبع إلا بوجود إعلام حر و ذو كفاءة عالية يسمح بكلها بمقارعة أفكارهم و تصوراتهم و مواقفهم.
هكذا يجب أن تكون إدارة الشأن العام. نظريا و عمليا. أما قتل السياسة و تهميش كل الأجسام الوسيطة سينتهي بالبلاد في مأزق سبق و أن عشنا مثيله و بالنتائج التي نعرفها.