الأصالة والمعاصرة وعقابيل الوعي الزائف

Photo

ونستمر في الإجابة عن السؤال الرئيسي، ما الذي تبقى من الفكر العربي المعاصر؟ منطلقين من أن الوعي النقدي لوعينا مدخل لا بد منه لتجديد الوعي والتحرر من الأوهام.

فمازال العرب منذ ما اصطلح على تسميته بعصر النهضة العربية، يطرحون سؤالا مؤرقا لهم ألا وهو كيف نستوعب إنجازات العصر ونحتفظ في الوقت نفسه بأصالتنا؟، وهو ما يعرف عند أصحاب هذا السؤال “بالأصالة والمعاصرة”.

ومن النادر أن تجد مفكرا عربيا معاصرا لم يدخل في سجال حول هذه المسألة، ولكن المشكلة أنّ جوابا شافيا لم ينتج بعد عن سؤالهم.

ما الذي جعل سؤالا كهذا مشكلة من مشكلات الفكر العربي؟ أما آن لنا أن نعلن موت السؤال؟

لو تأملنا في السؤال مليا لوضعنا أيدينا على السبب الحقيقي، عبر تأمل ينطلق من المعنى الذي خلعه المفكرون العرب، سواء من كان منهم مع الأصالة أو من كان مع المعاصرة، أو من كان مع التوفيق بين الفكرتين، لوجدنا أن القضية في وعيهم المستتر لهذين الفكرتين والذي ينكشف عبر الجواب عنه أو عبر حل هذه المعضلة.

فهم في تناولهم للعصر ينطلقون من أن العصر هو الإنجاز الراهن للغرب، وإن تسامحوا قالوا الإنجاز الراهن للبشرية، ولكن مع الاعتراف بأنهم لا ينتمون إلى القوى الفاعلة في إنتاج الراهن. فهم دون دراية يقرون بعجز العرب واغترابهم عن حركة العالم المعاصرة، ولهذا فهم يأخذون دور المتلقي ليس إلا.

فيكون إذا هناك عالمان نحن والعصر، نحن غير المنتمين إلى العصر والعصر الذي يحملنا على الانتماء إليه، فيما الأصالة هي عالمنا الذي ننتمي إليه والذي كونّاه نحن والذي ينتمي إلى الماضي البعيد وشبه البعيد بما يحمله من عقائد وقيم إلخ. هذا العالم الذي أصبح في حقيقة وعيهم عالما لا زماني هو الإشكال الحقيقي لهوية العرب كما يعتقدون وهو الحافظ لها.

وهكذا انبرى نفرٌ من المفكرين العرب من “الأصاليين” المطالبة بالحفاظ على الأصالة أمام تيارات العصر، وانبرى آخرون للمطالبة بدخول العصر بشحمه ولحمه، والتحرر من تراثنا السابق الذي يأخذ شكل الأصالة. أما أصحاب الوعي الانتهازي، فقالوا لنوفق بين هذا وذاك ولنأخذ من هذا وذاك، فنكون قد أخذنا من المعاصرة وحافظنا على أصالتنا دون أن يغضب أحد ونغضب أحدا. بل وهناك من أجاب جوابا أقرب إلى الفكاهة منه للجد بقوله، علينا أن نأخذ ما يطابق أصالتنا ونرفض ما يعارضها، وهم يقصدون ألا بأس من أخذ العلوم العملية كالهندسة والطب والفيزياء والكيمياء إلخ، وبعض العلوم الإنسانية التي لا تتعارض مع قيمنا، أما ما تبقى من إنجازات العصر فلا.

وهنا أعود للسؤال الآخر الذي طرحناه، أما آن لنا أن نعلن موت السؤال؟ الجواب عندي نعم، وآية ذلك أن هذا السؤال عن الأصالة والمعاصرة سؤال زائف بالمرة، وبالتالي قد أنتج مشكلة زائفة وكل الخطابات التي ظهرت في حقل الإجابات الثلاث عنها، والتي أشرت إليها هي خطابات زائفة بالضرورة.

لا تكمن المشكلة في زيف الإجابات السابقة فحسب وإنما في استمرارها حاضرة ليس في وعي المفكر فقط بل وفي وعي المتلقي أيضا، الوعي الذي ينعكس في السلوك.

ولمن لا يعلم فإن الأفكار والعقائد والقيم والعلوم بكل أشكالها عالم لا يستطيع أحد أن يتحكم في مساره ولا في مصيره، ولو حاولت قوة ما أن تفعل ذلك، فإنها فاشلة لا محالة وكل ما تفعله أنها تؤخر سيرورة الحياة. فهذه الإرادوية اللاعقلية المتعلقة بمنطق ارتحال الثقافات والعلوم في واد وحقيقة الحياة في واد آخر.

فحاجات البشر هي التي تقرر منطق العلاقة بين البشر، وليست إراداتهم العاجزة عن اعتقال فكرة متطابقة مع الحاجة. وبخاصة في عصر يكون الإنسان فيه قادرا على استدعاء العصر بضغطة زر. فالحياة هيراقليطية بامتياز. أجل آن لهذا السؤال الزائف، سؤال الأصالة والمعاصرة، أن يموت.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات