"شاهية طيّبة"... عبارة نتبادلها نحن التّونسيّين نهارَ رمضان كلّما انفضّ أحدنا من مُجالسة فرد أو جماعة... تتلوها ليلا عند اللّقاء عبارة "صحّة شْريبتكم" التي تسمعها هي الأخرى على كلّ لسان.
هما عبارتان مألوفتان موروثتان متداوَلتان غير أنّنا لا ننتبه إلى دلالتهما كما أعتقد.
إنّهما تختزنان وتختزلان نظرتنا إلى شهر رمضان المبارك، وتلخّصان إقبالنا المحموم على شراء ما يؤكل وتفضحان ما تشهده أسواقنا النّابتة كالبَقْل من ازدحام على ما يُعرض من بضاعة غلا ثمنها أو انخفض... كما تعكس ما يوضع على موائد البيوت استعدادا للإفطار، موائد يُلقى أكثر ما فيها في حاويات المزابل ما دام رجالنا يعيشون "وحْمًا" يفوق ما تعيشه النّساء بمناسبة هذه الفترة من حياتهنّ ! (هذا إذا لم يتولّيْن الابتياع بأنفسهنّ !)
الطّعام مطلوب في رمضان وغير رمضان لا شكّ في ذلك، لكنّنا مدعوّون حتما إلى ترشيد الشّراء والاستهلاك، وإلى أن يمدّ الواحد منّا رجليْه على قدْر كسائه فلا يستدين من أجل منافسة مَن كثُرت أموالهم بحقٍّ وبغير حقّ ومِن أجل أن يُعين، دون وعي، كثيرا من تجّار هذه المناسبة على الشّطط في الأسعار وتحيُّن هذه الفرصة لملء جيوبهم على حساب من ضعُفت نفوسهم للأسف الشّديد.
الأكلُ حاجة لا جدال فيها لكنْ أين حظّ العبادات وطلب المغفرة ممّا قد يكون الواحد منّا قد اقترفه من ذنوب وآثام في سائر الشّهور الأُخَر؟ وأين حظّ السّائل والمحروم المنصوص عليه في قرآننا الكريم؟
لماذا لا يقول المنصرف عن جلساتنا: "تقبّل الله صومك/م" مثلا؟! أليس هو شهر العبادة والغفران؟! هل ننقطع عن الأكل في ما سبقه ولحقه من الشّهور حتّى يأخذ لاحقُنا عن سابقنا تيْنك العبارتيْن الذّاهبتيْن إلى شهوة الحياة الدّنيا بشدّة لا توصف؟!
ألم يقل رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدّم من ذنبه؟!
لستُ استثناءً، ولستُ واعظا نقيّا تقيّا تمامَ النّقاء والتّقوى لذلك " صحّة شْريبتكم" إذا قرأتم هذا النُّصيْصَ ليلا... و "شاهية طيّبة" إذا قرأتموه نهارا. وتقبّل اللّه طاعاتكم وغفر ذنوبكم وذنوبي وذنوب سائر المسلمين حيثما كانوا متى قرأتموه.