إنّه غربُ التّعفّن

ممّا أُثر عن الدّكتور المفكّر عبد الوهّاب المسيري -رحمه الله - أنّ الانحلال الأخلاقيّ في الغرب وصلَ إلى المدارس، وأشار في كتابه "رحلتي الفكريّة" أنّه ألْقى محاضرة في أواسط السّبعينيات في أمريكا فقال: 'في طريقي إلى قاعة المحاضرات وجدتُ الطّلبة والطّالبات (معظمهم دون السادسة عشرة)، وقد تَعانقوا في المَمرّ، وكلُّ طالب احتضن طالبة، وكان يُقبّلُها بحماسة منقطعة النّظير .. ودخلتُ إلى القاعة فكانت خاوية على عروشها، وتَنعى مَن بناها .. وجاء المدرّسون ونجحوا في إقناع بعض الطّلبة والطّالبات بالدّخول إلى القاعة، ومع هذا استمرّ العناق وتبادل القُبلات .. وبعد المحاضرة سألتُ الأستاذ المسؤول: لِمَ يَسمحون بمثل هذا في إحدى دُور العِلم (خاصةً وأنّ مثل هذه الأمور لَمْ يَكُن مَسموحًا بها حتّى أواخر السّتّينيّات حينما تركتُ الولايات المتّحدة)؟! فقال: "إنّ هذه هي الطّريقة الوحيدة التي يُمكن إسكاتُهم بها"

ذكّرتني هذه الواقعة بطُرفة مضحكة مبكية ترتقي إلى الحقيقة في مدارسنا العربيّة التي أضحينا نشاهد فيها مثل هذا بقصّة مرويّة تقول إنّ أبًا جاء بابنته إلى مؤسّستها التّعليميّة (سأحتفظ بعبارة "التّربويّة" مع رجاءِ أن لا تستفزّ المنافقين!) متأخّرا، فوجد خارج السّور كلّ تلميذ يقف إلى تلميذة يحادثها إلّا واحدا منفردا فتوقّف عنده ليُنزل ابنته قائلا له : "سامحْني وْليدي. بْطيتْ عْليكْ" !

إنّه غربُ التّعفّن وقد نجح عن طريق لُقطائه الحاملين لواء المعاصرة والتّحرّر والحداثة وغيرها من عبارات ظاهرها حقٌّ وباطنها باطلٌ في تصدير قذارته إلينا.

لقد أوصلت العولمة المغالِطة التي هلّل لها السّذّج منّا، مفكّرَنا العظيمَ، إلى مدارسنا ومعاهدنا وكلّيّاتنا ما رأيتَه وما لم تره في زيارتك التي لم تُدرك خلالها كما يجب الوجه القبيح لغربٍ غدوْنا منبهرين نعتبره نموذجا يُحتذى وما نزال.

هل سمعت، أستاذَنا الكبيرَ، في قبرك كارثةَ جزيرة القادة والمشاهير العجَم والغرب التي تُؤكل فيها لحوم القُصّر ذكورا وإناثا حقيقة ومجازا؟!

الثّابتُ أنّك استشرفت، وأنت من أنت، ما مثّلتْه من انحطاط أخلاقيّ وإنسانيّ تستحي الوحوش أن تأتيَه في غاباتها المُظلمة.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات