يوغُرطَةٌ وحَنّبَعْلان... رؤساء تونس والتاريخ الذي يأبى أن يعيد نفسه

يمثل حضور الاستعارة التاريخية عنصرا قارّا في كلّ الكتابات الدعائية للأنظمة الشمولية المتمحورة حول سلطة الفرد المطلقة. هذا ليس أمرا خاصّا بتونس ومنطقتها المغاربية، بل يكاد يكون شاملا بالنسبة للأنظمة السياسية التي تشكو نقصا في شرعيتها الديمقراطية، فتسعى لتعويض ذلك بالبحث عن تشابهات مخياليّة مع شخصيات تاريخية، بغضّ النظر عن دقّة تلك التشابهات. إنّ البروباغندا التي تستهدف تحقيق انطباع لدى الجمهور تظلّ قاصرة عن بلوغ أهدافها طالما افتقدت للعمق التاريخي. على العكس من ذلك تماما، تغيب الاستعارات التاريخية تماما في البلدان التي ترسخت فيها الديمقراطية، حيث تكون شرعية الانتخاب واحترام الدستور والقوانين أعلى من كل الشرعيات الأخرى، حقيقية كانت أو مفترضة.

بورقيبة، “يوغرطة الذي انتصر”؟

أثناء زيارة له إلى تونس في بداية ستينات القرن الماضي، حظي رئيس مجلس الوزراء الإيطالي أمينتور فانفاني بلقاء مع الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة في إقامته بمدينة الكاف. كان أمينتور فانفاني من أكبر السياسيين الإيطاليين، وقد رأَس الحكومة الإيطالية مرات خمسة، كما رأَس مجلس الشيوخ الإيطالي في ثلاث دورات نيابية، بالإضافة إلى تقلّده عددا من الوزارات السيادية في حكومات ترأسها غيره. ببساطة، كان سياسيا إيطاليا كبيرا قاد حزب الديمقراطية المسيحية دهرا طويلا، وطبع تاريخ إيطاليا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى الثمانينات.

بالإضافة إلى ذلك كله، كان الرجل مولعا بالتاريخ، وهو ما يبدو أنّه استغرق جزءا من لقائه مع بورقيبة الذي استقبله أشهرا بعد جلاء القوات الفرنسية عن بنزرت، وبعد إفشال المحاولة الانقلابية، وأيضا بعد تدبيره اغتيال صالح بن يوسف. إن عبارة “يوغرطة الذي انتصر” لم تكن عبارة بورقيبة، بل عبارة فانفاني التي تلقفها بورقيبة واستعملتها دعايته بعد ذلك كثيرا. في الحقيقة فرض عقد اللقاء في مدينة الكاف، سيرتا التاريخية عاصمة يوغرطة، أن يذهب الحديث في اتجاه التاريخ. كان هناك حديث عن يوغرطة إذا، عن مقاومته لروما، وعن نهايته أسيرا في قبو مظلم ورطب بروما بوشاية من صهره بوخوس حاكم “بلاد المور” (المغرب الأقصى حاليا تقريبا)، حتى الموت جوعا. نهاية مفجعة تشبه نهاية كل أعداء روما الذين لم تستطع شراءهم.

كان يوغرطة قائدا سياسيا وعسكريا فذا تربى في أحضان روما ونهل من آدابها وعلومها (مثل بورقيبة)، وعندما عاد إلى وطنه نوميديا، أعلن على حلفائها من أقاربه وأبناء عمه، حربا بلا هوادة، بهدف الاستقلال عن روما. بغضّ النظر عن طموحات السلطة لديه، فقد كان يوغرطة رافعا للواء وحدة نوميديا واستقلالها عن الرومان (نوعا ما مثل بورقيبة أيضا). هناك تنازع تونسي جزائري حول نسبة يوغرطة، وهو تنازع لا قيمة له من الناحية التاريخية، لأن تونس والجزائر بحدودهما الحالية لم تظهرا إلا قرونا عديدة بعد ملحمة يوغرطة. كانت هناك نوميديا، وكانت الجزائر الحالية وأجزاء كبيرة من تونس الحالية أيضا مشكلة لها. شخصية يوغرطة حاضرة بقوة في بروباغندا الحكم في الجزائر، بل وفي أدبيات الثورة الجزائرية، بطريقة لا تقل قيمة عن حضور الأمير عبد القادر. بل إنّ هناك من يذهب إلى وصف عبد القادر بأنه يوغرطة القرن التاسع عشر. ليس هنا مجال بسط هذه المسائل في عمقها التاريخي، لأن الأمر يتعلق بالبروباغندا، وهذه الأخيرة ذات منطق خاص يطوع التاريخ في الغالب، ولا يعنى باحترامه.

إنّ عملية بناء الدولة الوطنية التي خصّص لها الزعيم بورقيبة كل جهده وكفاحه والتي صوّرتها الدعاية الرسمية وشبه الرسمية كملحمة حقيقية، كانت في أحد وجوهها تقوم على توحيد التونسيين ودفعهم لتحقيق إنجازات مشتركة، تحت قيادة زعيم فريد نقلهم من وضعية “السديم البشري المشتت” إلى وضعية الأمة الموحدة. في نهاية الأمر، كانت هناك تشابهات مع كفاح يوغرطة، لكن كان هناك في الوقت نفسه تميّز عنه. لقد نجح بورقيبة ببساطة حيث فشل يوغرطة: خلاصة تاريخية أنيقة وبليغة قابلة للهضم الدعائي، رغم أنف التاريخ والمؤرخين.

بعد حوالي الخمس سنوات من لقاء فانفاني وبورقيبة، وأثناء زيارة رسمية لتركيا، فاجأ بورقيبة مضيفيه الأتراك بطلب زيارة ضريح القائد القرطاجي حنبعل. كان حنبعل قد انتهى مغدورا في تركيا الحالية بعد لجوئه إليها هربا من أعدائه الرومان، لكن لم يكن هناك أي ضريح لحنبعل. اعتقد بورقيبة أن بإمكانه أخذ رفات القائد القرطاجي معه في الطائرة إلى تونس وقد أحرج ذلك الأتراك كثيرا، حيث لم يكن هناك أي رفات. يذكر شهود عن هذه الزيارة تأثر بورقيبة الشديد على الهضبة التي أخذه إليها الأتراك زاعمين أنها المكان الذي دفن فيه حنبعل، واكتفاؤه، يائسا من الاستجابة لطلبه، بأخذ حفنة من تراب الهضبة والعودة بها لتونس. عاطفيا وسياسيا، كانت قصة حقيقية بليغة.

بن علي وصنّاع البروباغندا

سيتوجب انتظار سنة 1997 حتى نرى حنبعل مجددا. كانت عشر سنوات قد مرت على الإطاحة بالزعيم بورقيبة، وكان زين العابدين بن علي يحتاج إلى سردية تاريخية خاصة به هو الآخر، أو ربما هكذا وقع تقديم الأمر إليه. نشر الصادق شعبان آنذاك كتابه “عودة حنبعل”، والصادق شعبان لمن نسي الأمر كان أستاذ القانون الذي خدم بن علي رغما عما كان يقوله القانون. فلنقل أنه كان يضع بنفسه القوانين التي حكم بها بن علي، أو أنه كان يشارك في وضعها. أصبح الأمر ثانويا جدا اليوم. لم تحقق البروباغندا نتائج كبيرة من هذا الكتاب، بل يمكن القول أن كتاب الفيلسوف المازري الحداد « Non Dalenda carthago » (قرطاج لن تدمر من جديد) قد حقق انتشارا أوسع بكثير.

لقد جاء هذا الكتاب في سياق الرد على الانتقادات الأوروبية والفرنسية خصوصا لانتهاكات حقوق الإنسان في تونس، وفي سياق الدفاع عن تعديل الدستور الذي سيسمح لزين العابدين بن علي بالترشح لمنصب الرئاسة إلى ما لا نهاية. لم يكن بن علي بالضرورة حنبعلا في كتاب المازري الحداد، لكنه كان يفترض أن يحمي قرطاج من حملة شيبيون الإفريقي ومن تدمير المدينة وحضارتها مرة أخرى.

هذان كتابان استهدفا أساسا النخب، ولم يكن لهما انتشار واسع لدى الجمهور. ذلك أن انتقادات النظام آنذاك كانت حكرا على النخب تقريبا. كانا بكل بساطة جزءا من معركة سياسية، ولكن بن علي نفسه لم يكن يعتقد في حنبعليّته. كان رجلا جاهلا بالتاريخ، وربما لم يكن يحبّ التاريخ أصلا. هذا موضوع آخر طبعا، غير أنه كان لكلٍّ دوره الذي توجب عليه أن يلعبه: بالنسبة لصناع البروباغندا، لم يكن يهمّ كثيرا من يكون بن علي أصلا، بقدر ما كان يهم حفظ مكانة صانع البروباغندا لدى “صانع التغيير”.

قيس سعيّد: صورة حنّبعل متوهّم تناقض الواقع

كان هناك إذا يوغرطة وحنبعل باستمرار، وبدرجة تقلّ وتنقص من سياق لآخر، بحسب حاجة الحاكمين. في المقابل، فإنّ روما لم تكن روما فقط، فقد كانت أحيانا، بل في الغالب أيضا، فرنسا وكل أوروبا، بل وكل الغرب لبعض الوقت. من المفيد النظر اليوم للصورة الحنبعلية التي تقدم لجمهور قيس سعيد، والتي تشكل بروبغندا متكاملة في سياق “الصراع” مع صندوق النقد الدولي، والعلاقات مع بلدان الضفة الشمالية للمتوسط.

يعرف التونسيون اليوم ولعَ قيس سعيد بالتاريخ، بل ربما طالع الرجل من كتب التاريخ أكثر مما طالعه من كتب القانون. لا يعني ذلك بالضرورة أن قيس سعيد هو من أوحى بصورة حنبعل، لكن ذلك لا يهمّ اليوم كثيرا في محاولة رصد الأسس التي تقوم عليها دعاية أنصاره وحواريّيه. هناك صورة يراد ترسيخها اليوم، وهي صورة القائد الذي يرفض بيع وطنه بالخضوع لإملاءات “الدوائر المالية الأجنبية”. هو لا يرفض هذه الإملاءات فقط، بل أيضا وكذلك أن يكون “حارسا لحدود أوروبا” كما يطلبه الإيطاليون. هذه هي الصورة بغض النظر عن مدى تطابقها مع الواقع اليوم.

سيكون من الطريف أن ننظر من الضفة الأخرى، حيث بدأت بعض الأقلام بعد في تشبيه رئيسة الحكومة الإيطالية ميلوني بشيبيون الإفريقي. لم يكن القائد شيبون إفريقيا بالطبع، بل رومانيا أصيلا، لكنه صنع مجده في إفريقيا. بالنسبة لسياسيّة إيطالية فاشية تعتقد أن حدود إيطاليا تبدأ من الضفة الجنوبية للمتوسط، الأمر مغر جدا. بالإضافة إلى ذلك، فإن شبح موسيليني، و”تونس الإيطالية”، ليس بعيدا جدا ولا خارج السياق جدا. لا أحد من حواريي الرئيس وصانعي دعايته يتذكر يوغرطة طبعا، وهو أمر لا يعود بالضرورة لخروج التشبيه عن السياق، بل ربما أساسا لبعض الجهل الذي يمنع أحيانا من استغلال الفرص التي تسمح بها الاستعارات التاريخية. هناك صراع، لكنه حتما لا يصل إلى حد التشبه بيوغرطة. بالإضافة إلى كل ذلك، فقد غدا يوغرطة ملكا حصريا “للشقيقة الكبرى”. لماذا نغضب روما والشقيقة الكبرى إذا باستعارات غير ودية؟ حنبعل كاف وزيادة. المشكل أن حنبعل قد لقي نحبه في تركيا، حيث فقد رفاته وحتى أثر رفاته. ولكن هذا أمر لا يهم في سياق البروباغندا الراهنة، وربما يجدر، من ناحية سياسية، تجاهله تماما.

إن الحديث عن صانعي بروباغندا الرئيس يبقى مع ذلك حديثا مبالغا فيه، فهؤلاء غير موجودين تقريبا إذا ما استثنينا حفنة المهرّجين الذين تقترحهم علينا بعض وسائل الإعلام. في مثال تونس اليوم فإنّ الرئيس يصنع دعايته بنفسه، مباشرة أو عبر الإيحاءات المتواترة والمستندة إلى بعض الاستعارات التاريخية المقتلعة من سياقها اقتلاعا. تقوم خطة الرئيس الدعائية على الإيحاء بالتشبيه، ثم ترك مهرجيه يقومون بالباقي حيث يتوجهون إلى جمهور هو خليط بين التعصب والجهل. في كل الحالات، لا تتوجه هذه الدعاية للنخب، حيث تلقى صدّا واضحا تفرضه المقارنة بين السياقات وتهافت الاستعارات. البروباغندا ليست مضمونا جامدا، فهي تتغير بحسب ما تستهدفه من جمهور، لذلك تبدو بروباغندا اليوم متهافتة حيث تستهدف بصفة حصرية مزاج شارع جاهل بالسياقات وغير قادر على التمييز بين ما يقوله الزعيم وما يقوم به فعلا.

إن ما يوحى به اليوم، في سياق العلاقة الصعبة مع صندوق النقد الدولي، هي صورة زعيم حنبعلي عائد من أعماق التاريخ، يقرر محاصرة المؤسسة الدولية المانحة من خلف خطوطها، بالالتفاف عليها عبر جبال الألب، وعبر رأس جسر هو إيطاليا. صورة جميلة وتعبير رائق. المشكل الوحيد هو أن العلاقة بين الاستعارة والوقائع تقوم على مخاتلة موغلة في الإنكار: إن الأمر لا يتعلق، بمقياس الواقع، بزعيم قرّر نقل الحرب إلى عقر دار الرومان ممتلئا بفكرة أن الدفاع عن حدود قرطاج يقتضي اجتياز البحار والجبال بعيدا عنها، بل عكس ذلك تماما بروما التي فهمت أنّ عليها، لحماية نفسها من جحافل المهاجرين الفقراء واليائسين أن تبدأ حدودها حيث قرطاج نفسها. فعليا، لا يمتلئ حنبعل إلا بفكرة الغزو، لكن الرومان يمتلؤون بتحقيقها.

هناك في الشعبوية لوثة لا يمكن إخفاؤها أبدا، وهي التناقض الكبير المتصاعد، عندما يكونون في الحكم، بين ما يقولونه وما يفعلونه. يزيد هذا التناقض كلما واجه الشعبويون صعوبات في جعل الواقع ملائما لأوهامهم. وعوضا عن أن يدفعهم ذلك للشكّ في طريقة فهمهم للوقائع، فإن ما يفعلونه هو قطع الصلة بهذا الواقع تماما واتباع منهج الإنكار الشامل تجاه تعقيداته. إن البروباغندا الشعبوية تنتج صورا على شاكلة وعي الشعبوية ذاتها، وهنا يقع الإمعان أكثر فأكثر في سريالية المقارنات. مثل كل أولئك الذين يعتبرون الديمقراطية مجرد سلّم للوصول إلى الحكم، فإنّ هدف الشعبويين ليس إلا الحكم. في المقابل، يعجز الشعبويون عن تحقيق أي إنجاز لأن فهمهم للواقع لا يقوم على أيّ اعتبارات أو مقاربات موضوعية لمشاكل ذلك الواقع. إن بيع الوهم وتحويل المخاتلة إلى منهج حكم هو كل ما يملك الشعبويون وهم على كرسيّ الحكم. هذا إشكال كبير، لكن الأكبر منه هو اعتقادهم أن بوسع ذلك وحده أن يبقيهم على ذلك الكرسي إلى ما لا نهاية.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات