أفضّل ألف مرة أن يكون الناس أحرارا، على أن تكون لهم تماثيل ضخمة

هناك سلوك كلاسيكي عند الأنظمة الإستبدادية، وهو تقديم الفرجة والإنفاق عليها بلا حدود، من أجل التخفي وراء معاني مثل "الوطن" و"التاريخ"، وترسيخ فكرة أن هذه الأنظمة هي امتداد لذلك التاريخ ولتلك العظمة. حصل هذا باستمرار في الماضي، وحقق في الغالب النتائج المتوقعة منه، ويحصل اليوم أيضا، مثلما يقع في مصر بمناسبة احتفالية افتتاح المتحف الجديد.

كلما اعتمدت الأنظمة على الفرجة، كلما كان ذلك دليلا على إفلاسها. كلما استوعب شعب ما هذه الفرجة، كلما كان ذلك دليلا على أنه مستعد لتقبل الإستبداد. هذه خلاصة منطقية.

كمؤرخ، لم أكن أحتاج هذا المهرجان لأعرف أن مصر عظيمة، وأن تاريخها عظيم، وأن مكانتها في التاريخ والحضارة والنفس عظيمة. لكنني أميّز جيدا بين هذه العظمة، وبين العبث الذي تمارسه الديكتاتورية الحاكمة اليوم هناك، والإجرام الذي ترتكبه في حق ذلك التاريخ وتلك الحضارة.

ما قيمة تاريخ عظيم إذا كان من يستعمله في دعايته اليوم، هو نقيضه الحضاري؟ ينظر اليوم الناس للتماثيل والمومياءات مشدوهين، حتى أنهم يكادون يرجعون للنظام الديكتاتوري في مصر كل الفضل في وجود هذه الآثار وهذا التاريخ. هذا دليل واضح على أن الإستبداد يبدع في الدعاية، وأن قسما كبيرا من الناس يبدع في تشرّب تلك الدعاية.

أفضّل ألف مرة أن يكون الناس أحرارا، على أن تكون لهم تماثيل ضخمة. أفضل ألف مرة أن يتمتع الأحياء بكرامتهم، على أن يُحتفى بالمومياءات. مصر العظيمة، بتاريخها العظيم وحضارتها العظيمة تعني مستقبلا عظيما، وليس فقط ماضيا عظيما.


*عدنان منصر : أستاذ جامعي ومؤرخ وناشط سياسي وحقوقي

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات