المعارضة الديمقراطيّة وموعد 24 الانتخابي

يخيّم موعد 24 الانتخابي على المشهد السياسي حكما ومعارضة ديمقراطية. وقد كان رئيس هيئة الانتخابات المنصبة فاروق بوعسكر أكّد في نهاية شهر فيفري الفارط أنّ الانتخابات الرئاسيّة ستجرى في موعدها بين شهري سبتمبر وأكتوبر 2024.

وقبل أكثر من سنة كان رئيس الدولة صرّح بأن الانتخابات ستكون في موعدها وأنّ الترشح مفتوح لمن أراده مع تشديده على أنّه لن يسلم البلاد إلا للوطنيين الصادقين.

ورغم أنّ الموعد لم يضبط بدقة بعد فإنّ ديناميكية سرت في المشهد السياسي تدفع بقوة نحو هذا الموعد المهم في تحديد مستقبل البلاد والأزمة المركبة التي تعصف بها.

تدقيق لا بدّ منه

من المهم ملاحظة أن الموعد يحيل على مرجعيّة دستور 2014، دستور الثورة. وهذا معطى مهم في منطق الصراع السياسي ولا سيّما عند تيّار استعادة الديمقراطيّة، رغم ما يحيل إليه من "لخبطة مرجعيّة" بين "دستور قيس سعيّد" و"دستور الثورة". وقد كانت مصدرا لجدل قانونيّ وسياسيّ حول نظام الحكم الحالي وعلاقته بالدولة والشرعيّة.

ومن جهة أخرى فإنّه من خلال هوية المهتمين بموضوع الترشح للانتخابات وإمكانية المشاركة في موعد 24 يمكن التمييز بين هويّتين:

أ ـ شخصيات من خارج المعارضة الديمقراطية لا يمثّل مبدأ المشاركة موضوعا سياسيا من أصله عند من أبدى منهم استعدادا للترشّح.

ورغم أنّه لم تظهر مواقف تعلن رسميّا ترشح أصحابها فإنّ بعض الأسماء وجلّها محسوب على القديم أو قريبة منه أصبحت تعدّ مرشّحة وبعضها طالته ملاحقات قبل تقدّمه الرسمي.

ب ـ شخصيات من المعارضة الديمقراطيّة ويمكن التمييز في هذه المعارضة بين "تيّار استعادة الديمقراطيّة" الذي قاد الحراك المواطني وعنه انبثقت جبهة الخلاص الوطني ومسارها المتواصل، وبين ما نقترح تسميته بـ"تيّار المراجعة". ولا يعني ذلك أن "تيار استعادة الديمقراطيّة" يناهض مبدأ المراجعة فالمراجعة مثلما عرفت في تاريخ التجارب الحزبيّة تكون اختيارا سياسيّا إراديّا داخل حزب من الأحزاب بعد إخفاق في رهان سياسي، أو سوء تقدير موقف، أو أزمة داخليّة، كما تكون تفاعلا مع مستجدّات في الفكر والانتظام السياسي. ولا تكون مطلبا من جهة سياسية إلى أخرى. فمثل هذا المطلب وسياقه يقلبان المراجعة إلى محاسبة. ولا تكون المحاسبة في السياسة إلا بصندوق الانتخاب ولا تكون في العدالة إلا بقضاء مستقل. وهذا ما جعل من مطلب المراجعة نكتة سمجة في عشريّة الديمقراطيّة وما بعدها.

كان "تيار المراجعة" اعتبر، في أوّل الأمر، أنّ مواجهة الانقلاب لا تخدم سوى حركة النهضة المسؤولة، في تقديره، عمّا آلت إليه الأمور. ولا يمكن التعامل معها إلاّ على ضوء ما سيكون منها من مراجعة.

و"تيار المراجعة" هو بدوره مركّب ومتحول المواقف، ومنه ما عرف بالقوى الوظيفيّة ودورها في تهيئة أسباب الانقلاب على الديمقراطيّة وتقاطعها الميداني (البرلمان) مع الشعبوية والفاشية من خلال سياسة التعطيل والترذيل. وتدرّج موقفها من 25 جويلية من الترحيب الحذر إلى اعتباره تأويلا غير موفّق للفصل 80 من الدستور وصولا إلى كونه انقلابا بصدد التأسيس لحكم فردي مطلق، وتوضّح هذا الموقف مع المرسوم 117 (التيار الديمقراطي).

ومنه ما ناهض 25 منذ يومه الأول ودعا إلى استعادة الديمقراطيّة مع تحميل النهضة المسؤوليّة الأولى عن العشريّة ومآلاتها الاجتماعيّة والسياسيّة مع دعوة ضمنية إلى تجاوز 24 و25 معا (حزب العمال).

اجتمع هذان المكونان فيما عرف بالخماسي، قبل انسحاب الحزب الجمهوري منه. وقد كان للخماسي تحركات ميدانية محدودة في مواجهة الانقلاب، دون أن يفصح عن الطريقة التي يمنع بها استفادة النهضة التي ما تزال على قيد الحياة من تحركاته في مواجهة "مسار التصحيح".

اختلاف في التقدير

يُضمر خطاب "تيّار المراجعة" تقديرا سياسيّا أوليّا كان أقرب إلى اعتبار 25 انقلابا على النهضة وليس انقلابا على الديمقراطية. ويقابله موقف "تيار استعادة الديمقراطية" الذي لم يفصل بين الانقلاب على الديمقراطية واستهداف أهمّ شروطها، رغم موقفه الناقد للعشرية ولأداء فاعليها الرئيسيين وفي مقدمتهم حركة النهضة. ويعود الأمر إلى ممثلي النواة الأولى المؤسسة لـ"تيار استعادة الديمقراطية" أنفسهم، فقد جمع بينهم قبل 25 النقد الجذري لمسار الانتقال والدفاع القوي عن شروط بناء الديمقراطية في الآن نفسه. وهو ما قادهم بعد 25 إلى التمييز المنهجي والسياسي الصارم بين "أخطاء الانتقال" و"خطيئة الانقلاب". واعتبروا أنّه لا أمل في اللقاء السياسي مع من يساوي بين الخطأ والخطيئة.

ومصيبة البلاد، ومطبّ الديمقراطية اليوم، ومعضلة مسار بنائها بالأمس، في أنّ الاختلاف حول شروط الديمقراطية أو بعضها تحوّل إلى اختلاف حول الديمقراطية ومبادئها. هنا موطن المشكل الفعلي لمن أراد التشخيص الأقرب إلى الدقّة والموضوعية. فالاختلاف في جوهره حول فكرة الديمقراطية بما هي مبدأ وأسلوب في العيش الكريم المشترك. فإذا كان هناك من مراجعة فعند هذه النقطة: علاقة النخبة بالديمقراطية (مبادئ وثقافةً).

ولكن لم تُستخلص العبرة لا من الماضي البعيد ولا من القريب ولا من الحاضر الذي غدا إعادة إنتاج الماضي بأزمنته المختلفة، فقد انتهى إقصاء بعض مكونات المشهد السياسي الأساسية بقمعها واستباحتها، مع وعود النظام الحاكم وأماني القوى الوظيفية بالانفتاح والشراكة، إلى استبداد مغلق وأزمة مالية اقتصادية واجتماعية دورية (1981، 1990، 2021)، هما في جوهرهما صورة من أزمة الدولة وايديولوجيتها "الوطنية" المفوّتة وسياساتها التابعة. ويبدو أنّ الأمر يتجاوز الديمقراطيّة وشروط بنائها إل استقرار الدولة وتواصلها. وكأنّه لا استقرار للدولة ولا إمكانيّة لخروجها من عجزها إذا استبعدت أوسع التيارات السياسيّة والاجتماعيّة وأصرّت على شيطنته واستباحته والدخول معه في مواجهة مفتوحة بلا سقف وبلا أفق. تشير دروس الفكر السياسي إلى أنّ احترام تمثيليّة القوى السياسيّة والاجتماعيّة هو الوجه الآخر للديمقراطية. وليس المعني بالتمثيلية هنا نتائج الانتخابات والاختيار الشعبي الحر على أهميّتها وإنّما ما تمثّله هذه القوى من عامل توازن واستقرار في الدولة والمجتمع.

ويمكن أن نتبيّن أثر سياسات الإقصاء والاستباحة التي عرفت بها دولة الاستقلال انعكست على توازنات السياسة ومن مظاهرها أنّنا عرفنا تجربة الحزب الواحد (حزب الدستور، التجمّع) في المرحلة البورقيبية (1956 ـ 2011) وما كان لها من نتائج على تغوّل الدولة في مواجهة المجتمع وهو الشرط الأوفى للاستبداد، وتجربة الحزب الواحد (حركة النهضة) في المرحلة الديمقراطيّة (2011 ـ 2021) بعد فشل المنظومة في تأسيس حزبها نداء تونس. وأما بقيّة الأحزاب فهي أقرب إلى أن تكون "فرق عمل"، ولو اشتمل القانون الانتخابي على عتبة لاستحال وصولها إلى البرلمان والمجالس البلدية. فالديمقراطيّة لا تبنى إلاّ بالتوازنات الحزبيّة الكبرى.

لذلك واجهت المنظومة القديمة حركة النهضة بعناوين أخرى غير حزبيّة تراوحت بين تحزيب النقابة وتسييس النقابات الأمنيّة وتجييش لوبيات الإعلام. وهو ما أفسد الحياة السياسيّة ومنع صراع البرامج في بلاتوات الإعلام لتتحوّل إلى حصص "إجرام في حقّ البلاد والعباد" ويترك الجميع في الميدان جلّ ريشه تذروه الريح.

أهمية العنوان السياسي

جبهة الخلاص هي القوة السياسية التي سبق مضمونُها تشكُّلَها وبناءَها، فقد كانت خلاصة الحراك المواطني بقيادة مواطنون ضد الانقلاب على مدى ستّة أشهر. وانطرح سؤالٌ دقيق لحظة التأسيس: جبهة سياسية حول مواطنون أم مواطنون مكوّن من مكوّنات الجبهة؟

وكانت الإجابة بمثابة "طقس العبور" العسير، وتمثّل في أنّ المرحلة تفرض أولوية المضمون على الشكل، رغم عسر فك الارتباط بين الأمرين، فكان قيام الجبهة على أساس استكمال مهمّتين بدأهما الحراك المواطني: استعادة الديمقراطية والمشاركة الوطنيّة في إعداد البديل الديمقراطي. ولا يخفى تقاطع المهمتين في الهدف المرحلي: إخراج البلاد من أزمتها المركبة.

وعلى أهميّة ما تقدم وما يمكن أن يتيحه من مداخل ملائمة لتبين تجربة متميّزة في حياتنا السياسية، فإنّ الغاية من هذه الخلاصة المكثفة كانت إبراز أهمية العنوان السياسي في تجربة الجبهة والمعارضة الديمقراطية، ونعني به "استعادة الديمقراطية".

ومن المهم ملاحظة أنّ هذا العنوان السياسي لم يكن محلّ إجماع داخل المعارضة الديمقراطية بتيّارَيْها، مثلما أنّه لم يكن في تجربة الجبهة الخيطَ الذي ينظم نقاط اشتباكها مع السلطة (الحريات، استقلال القضاء، الهجرة، الملف الاقتصادي الاجتماعي، …الخ). والمقصود أنّ ملف الحريات والدفاع عن مربعاته، على سبيل المثال، لا ينفصل عن المهمة الأساسية والهدف المركزي: استعادة الديمقراطية، وكذلك الأمر نفسه بالنسبة إلى بقية نقاط الاشتباك الأخرى.

لذلك فإنّ غياب هذا الربط في الرؤية السياسية عند المعارضة الديمقراطيّة جعل من "المطالبة الحقوقيّة" في خطابها بديلا عن "المغالبة المواطنيّة". وتجلّى هذا المنحى في دعوتها من أغلق البرلمان وألغى العمل بالدستور إلى انتخابات سابقة لأوانها حينا وإلى حوار وطني تنبثق عنه حكومة إنقاذ حينا آخر. ولم تجعل من الحراك السياسي المواطني أحد العوامل الأساسية باتجاه خلق المناخات والسياقات التي تدفع إلى الحوار الوطني الواسع والعودة إلى صاحب الشرعيّة الأصلي في شروط الاختيار الحر والانتخابات الديمقراطية.

ولا خلاف في أنّ المطالبة تكون عند تحقق الإجماع على مبدأ الديمقراطيّة وعلى مرجعية قانونية ودستورية يُحتكم إليها (قواعد لعبة مستقرّة). بينما تكون المغالبة لإرساء الديمقراطية لأول مرة على أنقاض نظام الاستبداد أو للدفاع عنها عند استهدافها أو لاستعادتها عند الانقلاب عليها.

من التوازي إلى التقاطع

تعدّ فكرة الانتخابات وتحديدا الانتخابات السابقة لأوانها ثابتا من ثوابت الخطاب السياسي عند تيار استعادة الديمقراطية وفي عَرْضه السياسي للخروج من الأزمة. وفي المقابل لم يكن للانتخابات المنزلة نفسها في خطاب تيار المراجعة. فهو لم يكن معنيّا بتقديم "عَرْض سياسي" بقدرما كان مشدودا إلى البحث عن "موقع سياسي" بين السلطة الجديدة والحركة الديمقراطية. وهو ما جعل من "تيار الاستعادة" و"تيار المراجعة" خطّين متوازيَّين في سياق المعارضة الديمقراطية، غير أنّ أداء سلطة الانقلاب كان عاملا مهما في دفعهما إلى التقاطع أمام اتساع دائرة القمع والاستهداف والتضييق على الحريات، من ناحية. ومن ناحية أخرى شعبوية الخطاب الرسمي ولا جدواه وعجز ممثليه في مواقع المسؤولية والقرار في الدولة عن مواجهة الأزمة المالية الاقتصادية المتفاقمة. فشمل الاستهداف قيادات الصف الأول التيارين في المعارضة الديمقراطية.

وكان ذلك ضمن ما سُمّي بملف التآمر على أمن الدولة. وتشدّد المعارضة على أنّ سببه الأساسي كان قرب توصلها إلى بلورة مبادرة سياسية على قاعدة الأدنى الديمقراطي للخروج بالبلاد من أزمتها الطاحنة.

ولئن عمّ الاستهداف بواسطة المرسوم 54 أطياف المعارضة ونشطاء المجتمع المدني فقد خصّ الحركة الديمقراطية وتركز على حركة النهضة باعتبارها المكون الحزبي الأوسع في جبهة الخلاص. فكان اعتقال قياداتها الأولى والتاريخية وغلق مقراتها في كامل البلاد. وكان لهذا الاستهداف أثر كبير على أداء الحركة الديمقراطية. وكان من نتائجه ضمور حضورها وانحساره في المربع الحقوقي مما دفع بتقدّم تيار المراجعة إلى واجهة المعارضة الديمقراطية وتصدّر بعض رموزه مناهضة الحكم الفردي وتوسعه. وتزامنت هذه التحولات في المواقف باتجاه التقاطع بين التيارين مع تحولات مطّردة في المواقف الإقليمية والدولية من السياق التونسي، في اتجاهات مختلفة. وفي هذا الإطار يمكن أن يفهم برنامج القناة الفرنسية M6 واشتغاله غير المهني على المشهد السياسي في تونس وخوضه في صراع السرديات فيه، وإعادة بناء المشهد السياسي عندنا على ضوء سردية فرنسا ومصالحها المناهضة للثورة والديمقراطية في تونس والمجال العربي.

الضعف والتشتت والعجز عن إحداث ثغرة في الطريق المسدود هو الوصف الأقرب إلى حال المعارضة مع السنة الثالثة من الانقلاب. وهناك من يراه حالا غير طبيعي وصورة من مرض المعارضة المزمن وقصورها عن بناء المشترك الوطني المطلوب، في ظل سقف الحرية العالي الذي رفعته الثورة. وهناك من يرى فيه حالا طبيعيا وأنّ المشكل يتجاوز المعارضة إلى تجربة الدولة وملابسات نشأتها وعلاقتها بالنخبة وبمجالها السياسي والثقافي. ولم تكن عشر سنوات من الانتقال المتعثّر كافية لتوفير شروط العيش المشترك. وأن ما نعيشه فرز باتجاه بناء أرضيّة صلبة يعاد على قاعدتها بناء الدولة والنخبة والسياسة والاقتصاد.

مبادرة

ارتبطت المبادرات السياسية في تاريخ بلادنا السياسي والحقوقي بالأزمات الحادة وانسداد الأفق السياسي والاجتماعي وتصاعد عنف الدولة واستهدافها مربعات الحرية. وغالبا ما يسود التنابز بالأزمة بين السلطة والمعارضة والترامي بها. كلّ منهما يحمّل الطرف المقابل المسؤولية الكاملة عن الحال المتردّي الذي يتدحرج نحوه البلد. وفي مبادرة الأستاذ العياشي الهمامي السياسي والحقوقي والوزير السابق قسمة عادلة للأزمة والمسؤولية عنها بين المعارضة الديمقراطية وسلطة الانقلاب، فقد ورد في نصّ المبادرة تشخيص مركّز على عشرية الديمقراطية ومسار الانقلاب انتهى إلى استقرار المشهد السياسي عند توازن ضعف بين نظام حكم فردي مطلق جرّف الحريات والحياة السياسية وحوّل الأزمة المالية الاقتصادية الموروثة إلى كارثة، ومعارضة مشتتة تفتقد إلى الرؤية والبرنامج وغير قادرة على أن تجتمع على الأدنى الديمقراطي.

وتعتبر المبادرة موعد 24 الانتخابي فرصة جدية أمام المعارضة الديمقراطية وقوى المجتمع المدني لإنقاذ البلاد وفتح سبيل للخروج من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة. ويكون المنطلق في هذه المبادرة من "قراءة نقدية صارمة للمسار السياسي منذ الثورة إلى الآن والاعتبار من الأخطاء والانحرافات التي أدّت إلى سقوط البلاد في الأزمة الحالية".

ويلخّص صاحب المبادرة مقترحه في الاجتماع حول "مبدأ إنقاذ البلاد" و"منهج عمل موحّد" يفرضه جنوح السلطة إلى القمع والإقصاء، مع الإشارة إلى "الوسيلة" وتتمثّل في التوصّل إلى مرشّح مشترك ببرنامج وطني اقتصادي اجتماعي وخلق ديناميكية نضالية باتجاه توفير شروط انتخابات ديمقراطية ونزيهة. وتتوقف المبادرة عند العناوين الكبرى لـ"العرض السياسي" المنتظر من القوى التي ستلتقي على أرضية مشتركة "من أجل تونس حرة وديمقراطية".

تستعيد المبادرة بعبارتها الخاصّة لحظة "مواطنون ضدّ الانقلاب" وحراكها المواطني المشدود إلى مهمتين/مبدأين: استعادة الديمقراطية وإعداد البديل الديمقراطي. وكانت فكرة الجبهة التي تبلورت في سياق الحراك المواطني الذي توسع مع "إضراب الجوع" لا تخرج عن هذين المبدأين المستعاديْن من قبل مبادرة الأستاذ العياشي بتفصيل أكثر ولكن في سياق غير السياق. إذ أنّ المبادرة تأتي بعد أن أمكن للانقلاب تنفيذ مخططه في إرساء حكمه الفردي المطلق من خلال خمس مناسبات دُعي فيها الناس إلى الإدلاء بأصواتهم، واعتُمدت نتائج التصويت المعلن عنها رغم أن معدل نسبة المشاركة فيها يحوم حول الـ 10% من المسجّلين.

فرص النجاح

كان هناك نقاش حول مبدأ المشاركة في الانتخابات المتوقعة قبل المبادرة المذكورة وبعدها. ويتلخّص في وجهتي نظر: تعتبر الأولى أنّ المشاركة في ظل شروط تضعها سلطة الأمر الواقع لا تخرج عن أن تكون تزكية لها، فمن ألغى الدستور وأغلق البرلمان لا يمكن أن يوفّر شروط انتخابات نزيهة قد تزيحه. وتتوقف وجهة النظر الثانية التي تتمسّك بتوفر شروط الاختيار الحر والشفاف، وترى في المشاركة تدشينا لديناميكية مطلوبة قد تنجح في توفير شروط الانتخابات الديمقراطية.

والأصل في ألاّ يكون "مبدأ المشاركة" موضوع جدل داخل المعارضة الديمقراطية سواء من جهة موعد 24 الانتخابي وإحالته القوية إلى مرجعية دستور الثورة، أو من جهة أهمية إعادة الكلمة إلى صاحب الشرعية الأصلي عند الحركة الديمقراطية، وقد كانت الدعوة إلى انتخابات مبكرة عنصرا قارا فيما طرحته من مبادرات للخروج من الأزمة.

تكشف مآلات الأوضاع عن "منوال نقض الغزل" الذي رافق المعارضة الديمقراطية، فقد جمعها الاستبداد وفرّقتها الحرية. فكلما توفّرت شروط بناء الديمقراطية كان التناحر البيني المفضي إلى عودة الاستبداد الذي يكون بدوره سببا إلى دعوات جديدة للالتقاء على إزاحته واستعادة الحرية والديمقراطية.

منحى سيزيفي عجيب عرفته الطبقة السياسية في مسيرتها النضالية والحقوقية. ولا يدفع هذا الحصاد المر الذي كان فيه نصيب للجميع إلى تعويم المسألة ووضع الجميع في خانة واحدة. فالمسؤولية عامة ولكن درجاتها مختلفة.

وإن تقاطع "تيار الاستعادة" و"تيار المراجعة" في عنوان "استعادة الديمقراطية" (وهو الفرق الذي نحت باتجاهه المبادرة) يفترض لقاء موسعا بين المكونين قد ينفتح على أوسع الفئات، ولكن يقوم من العقبات ما يجعل من اللقاء أمرًا عسيرا. ومن هذه العقبات ما هو مبدئي (العلاقة بالفكرة الديمقراطية وبشروطها في المشهد السياسي). ومنها ما هو سياسي (العلاقة بالفاعل الإقليمي والدولي) ومنها ما هو إجرائي (صعوبة الإجماع حول شخصية وطنية).

ومع ذلك فإنّ ثلاثة عناصر إذا اجتمعت قد تبني مشتركا مرحليا وتساعد على تخطي ما تراكم من عقبات ونراها في:

- وحدة العنوان السياسي: استعادة الديمقراطية، وقد بدا واضحا في مبادرة الأستاذ العيّاشي الهمّامي.

- العمل على توفير شروط انتخابات حرة شفافة وديمقراطية بدل المطالبة بها.

- توفر شرطين في شخصية المترشح المشترك: يكون بخلفية اقتصادية مالية مع فريق فعال وبرنامج عملي لإنقاذ الاقتصاد، ويكون ديمقراطيا ملتزما باستعادة المسار وقادرا على الوصول إلى الديمقراطية.

تجري هذه الانتخابات المنتظرة في مثلث غير متوازي الأضلاع ولا متساوي القوى (نظام الحكم، المعارضة الديمقراطية، السياق الإقليمي والدولي). وإذا صار متأكّدا عجز الحالة الانقلابيّة عن إعادة إنتاج النظام القديم ومجابهة الأزمة المالية الاقتصادية، وإذا كان ضعف المعارضة وتشتتها حقيقة مستمرة، فإنّه قد يكون للبعد الإقليمي والدولي التأثير الكبير على انتخابات 2024، إذا قدّر لها أن تتمّ.

وعلى أهميّة ميزان القوى والمعادلات في السياسة فإنّ التحوّلات الكبرى قد تكون بأبسط الأسباب ومن حلقات المشهد السياسي والتاريخي الأضعف. ورب فكرة أو موقف بل ربّ كلمة لا يُلقى إليها بال حرّكت عوالم وأثقالا سياسيّة تنوء بزحزحتها قوى عظمى.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات