هل تعود تونس إلى "نظام الحماية"؟!!

لم تعرف تونس (دولةً ومجتمعًا) تعطيلًا واستباحة وعبثًا مثل الذي عرفته مع انقلاب 25 جويلية/يوليو 2021. فبعد سنتين على الانقلاب وعناوينه في تصحيح المسار ومحاسبة الفاسدين وتطهير البلاد تقف الدولة على شفا الإفلاس ويعرف أداء السلطة التنفيذية شديدة المركزة تخبّطًا مريعًا ويشهد الفساد توسعًا وانتشارًا، في ظلّ مؤشرات مالية اقتصادية زادتها الأزمة العالمية سوءًا مما جعل من هذه الأزمة المركبة غير المسبوقة بتونس منفتحةً على مخاطر جمّة تهدّد استمرار الدولة وأمن المجتمع.

وعند أكثر المراقبين تفاؤلاً فإنّ البلاد في أحسن الأحوال واقعة بين عوامل الانهيار ومخاطر الانفجار. ذلك أنّ فشل حكومة سعيّد في التوصّل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي سيكون من أسباب انهيار المالية العمومية في ظل غياب سند مالي خارجي يرافق البلاد في أزمتها، ثمّ إنّ إبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي بشروطه سيكون مقدمة لانفجار اجتماعي لا تعرف حدود تداعياته.

• عوامل الانهيار

لا خلاف في كون الأزمة المالية الاقتصادية من طبيعة سياسية. وهو ما يؤكّد الطبيعة المركبة للأزمة، وأنّ حلّها لن يكون إلاّ سياسيًا رغم مكوناتها المالية والاقتصادية.

وإنّ عدم القدرة على تبيّن العلاقة بين "المالي الاقتصادي" و"السياسي" كان من أسباب تعثر الانتقال الديمقراطي وعجزه عن تحقيق الأدنى من المنجز الاجتماعي.

وكان الرأي الشائع عند نخبة السياسة والاقتصاد في مواقع متقدمة من المسؤولية في مؤسسات الدولة أن تونس بقدر ما حقّقت تحوّلًا سياسياً لم يحالفها النجاح في التحول الاقتصادي الاجتماعي. وفي ذلك تجاهل لحقيقة أنّ التحول المنجز الاجتماعي مشروط بالتحول السياسي الذي لم يكتمل. ومع الانقلاب وقف الجميع بمن فيهم أهل الاختصاص ومسؤولي الدولة على هذه الحقيقة.

ومن هذا المنطلق يمكن الحديث عن عاملين للانهيار الذي يتهدد تونس هما العامل السياسي والعامل المالي الاقتصادي.

كان استكمال بناء مؤسسات النظام الجديد شبه البرلماني من أهمّ أسباب الخروج من الأزمة المالية الاقتصادية التي فاقمتها مرحلة الوباء. ولكن تعطيل عملية البناء الدستوري والمؤسساتي بسبب التجاذبات السياسية والحسابات الفئوية وضعف الثقافة الديمقراطية وَسَم الانتقال بالهشاشة وأطْمَع في الانقلاب عليه. وهو ما كان يوم 25 جويلية.

وإذا كانت مرحلة الانتقال عجزت عن استكمال بناء مؤسسات التجربة الديمقراطية فإنّ الانقلاب هدم ما تمّ بناؤه منها ومرّ إلى استهداف الحريات وتكميم الأفواه بقوانين قامعة (المرسوم 54) واعتقال النشطاء السياسيين وقادة المعارضة الديمقراطيّة ويحملهم عجزه عن مواجهة الأزمة المعيشية وافتقاد المواد الأساسية من الأسواق وارتفاع الأسعار وتدهور المقدرة الشرائية وانخفاض قيمة الدينار وبلوغ نسبة التضخّم رقمين.

وهو في ذلك يحاول عبثًا التغطية على حقيقة عجزه والتمادي في حالة الإنكار حول مسؤوليته عن الأزمة وواقع انقلاب "تصحيح المسار" إلى "تدمير المسار" بالانقلاب على الدستور وإنهاك الدولة والذهاب إلى الصناديق الدولية بحصيلة مالية اقتصادية مخجلة وبصفر سيادة.

ولم ينفع مع هذه الحال "خطاب سيادوي" منفصم عن حقيقة الوضع وملابسات السياق وبعيد عن حقيقة موقف قيس سعيّد الفعلي. وهو موقف يجتهد في إخفائه تارة بالحديث عن "أمّك صنّافة" وأنّ تونس غير معنية بهرطقات وكالات التصنيف الائتماني الدولية وطورًا برفضه توصيات الصناديق الدولية في موضوع المؤسسات العمومية من خلال التأكيد على عدم التنازل عن القطاع العمومي في الخطاب المعلن ودونًا أن يكون لذلك أثر على مشروع الحكومة الذي تقدّمت إلى الجهات المانحة في هذا الغرض. والحكومة بدورها تُخفي عن الرأي العام المحلّي ما تُسِرّ به إلى الجهات المانحة.

فعدم الإمضاء على اتفاق إطاري مع صندوق النقد الدولي بغرض الحصول على قرض الـ1,9 مليار دولار ستكون نتيجته، إذا لم تجد الحكومة مصدرًا آخر للتمويل، انهيار المالية العمومية.

• مخاطر الانفجار

اعتبرنا "السياسي" و"المالي الاقتصادي" عامليْ الانهيار والتدهور في المشهد التونسي، ولكنهما في الآن نفسه قد يكونان سببًا في الانفجار الاجتماعي. والحديث عن الانفجار في هذا السياق بعيد كل البعد عن تقديرات "الشارع الديمقراطي" وأمانيه في أنّ سياسات سلطة الأمر الواقع ستُفضي حتمًا إلى تحرّك "الشارع الاجتماعي"، فيكون اللقاء بين الشارعيْن الشرط السياسي الاجتماعي لإغلاق قوس الانقلاب.

الانفجار الذي يشير إليه المراقبون من ساسة وخبراء مالية مرتبط بحالة إفلاس تصير إليها الدولة، وفي هذه الحالة يكون عجز الدولة عن تغطّية الخدمات الأساسية. وهذا بدوره ينعكس سلبًا على ما بقي قائمًا من خدمات مثل النقل والماء والإنارة. وإن تعطّلت مثل هذه المرافق ستعطّل الحياة وتشل الدورة الاقتصادية، وتكون من نتيجته انقطاع المواد الأساسية.

وهناك أكثر من إشارة إلى استحالة وضع الانفجار قياسًا على ما عاشه الناس في فترة الحجر الصحي الشامل، وما عاشوه هذه الأيام من ندرة في المواد الأساسية، ولكن الذي يفوت عديد المتعجّلين هو أنّ ندرة المواد كانت نسبية ولم يصل الحال إلى انقطاعها بالكامل.

ولكن ما عرفته عديد منظومات الإنتاج الفلاحي بالأساس من توقف نتيجة أسباب داخلية ومحصّلة لاستهداف إقليمي ودولي من بعض شركاء تونس التقليديين، قد يوقف عجلة الاقتصاد. وما لهذا التوقف من آثار مباشرة على حياة الناس اليومية.

ولعلّ أزمة الماء، وهي ليست خاصة بتونس، ستكون لها انعكاساتها الخطيرة على الفلاحة وعلى حياة الفرد اليومية. وما يعرفه توزيع الماء من انقطاع كل ليلة تقريبًا في العاصمة وضواحيها وفي بعض محافظات البلاد يأتي ضمن استعداد لحالة عطش قد تعرفها البلاد هذه الصائفة سيما وأنّ نسبة الأمطار عرفت انخفاضًا بـ54% قياسًا إلى السنة الفارطة، وتعرف تونس حالة جفاف ونقصًا في الأمطار للسنة الثالثة على التوالي.

وتونس اليوم عاجزة عن سدّ الفجوة في ميزانية 2022 التي بقيت دون ميزانية تكميلية وغير قادرة على تغطية عجز ميزانية 2023 الذي يًتوقّع أن يصل إلى 24 مليار دينار (7,7 مليار دولار). والدين العام الذي شارف في نهاية 2022 على 110 مليار دينار (34 مليار دولار ) حسب أرقام وزارة المالية.

وينضاف إلى المشهد الاجتماعي ما يعرفه المشهد السياسي من توترات نتيجة المسار الانقلابي خطابًا وأداءً. ففي مستوى الخطاب شطّت سلطة الانقلاب في التقسيم والتخوين. وقد مرّت منه إلى استهداف الخصوم السياسيين من المعارضة الديمقراطية.

ويبدو أنّ نجاح الحركة الديمقراطية في تجاوز انقسامها والتقائها المبدئي على أولوية إنقاذ البلاد كان من بين أسباب الاعتقالات الأخيرة التي شملت قيادات الصف الأول في جبهة الخلاص وقيادات مما كان يعرف بالخماسي وقيادات بارزة في حركة النهضة.

فقضية التآمر على أمن الدولة بدت مثيرة للسخرية لدى الرأي العام من جهة المفارقة الواضحة بين خطورة التهم وخلو الملفات تمامًا من أي دليل إدانة. ولم يسعف احتجاز هواتف الموقوفين النيابةَ في الظفر بما يُمكن أن يمثّل قرينة على شبهة التآمر على أمن الدولة والعمل على تغيير هيئتها.

إنّ التوصّل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي بالشروط المعلنة في سياق حالة التوتر والفوضى والانقسام وعدم الاستقرار التي أشاعها الانقلاب وفاقمها أداؤه الكارثي في الداخل وحالة العزلة نتيجة دبلوماسيته الشعبوية الرعناء، ستكون أسبابًا محفّزة على انفجار اجتماعي فظيع من الصعب التحكم بقدرته التدميرية والتخفيف من انعكاساته الإقليمية والدولية.

• شراكة أم حماية؟!!

هذه الأيّام تكلّم أصدقاء تونس وشركاؤها عن وضع تونس المالي والاقتصادي الخطير، وتواترت في تصريحات المسؤولين من الولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا وفرنسا والاتحاد الأوروبي عبارات الأزمة والانهيار والمصير المجهول.

وهذه الدول مجتمعة لم تصف حركة 25 جويلية بالانقلاب، ولكنها تدرك جيّدًا أنّها إزاء انقلاب جذري على مسار ديمقراطي كان لهذه الدول نفسها دور في رعايته ومرافقته عساه يستقر عند ديمقراطية تحافظ على مصالح تونس وشركائها التقليديين.

وفي هذا السياق نبّه أنطوني بلينكن وزير الخارجية الأمريكي إلى حاجة تونس الطارئة إلى إبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي. وأضاف، خلال جلسة استماع للجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس الأمريكي، بأن الولايات المتحدة تشجع تونس بقوّة على التوصّل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي كي لا يصير الاقتصاد إلى المجهول". ولم تفت بلينكن الإشارة إلى أساس الأزمة السياسي حين عبّر عن مخاوفه "بشأن التحوّل السياسي الذي عرفته تونس في عهد قيس سعيّد الذي جمّع كل السلطات بين يديه انطلاقًا من 25 جويلية 2021".

ولم يُخْف الرئيس الفرنسي ماكرون بدوره البعد السياسي للأزمة في تونس وقد عبّر في تصريح له، على هامش إحدى القمم الأوروبية، عن قلقه من التوتر السياسي المرتفع جدًا في تونس ومن احتدام الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، في ظل غياب اتفاق مع صندوق النقد الدولي.

وأمّا رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني فإنها تقود ما يشبه الحملة تسعى فيها إلى جمع أوروبا حول وجهة نظر في دعم تونس ومساعدتها على الخروج من أزمتها. وتبدو إيطاليا معنية أكثر من غيرها بالأزمة التونسية وذلك من خلال حثّ شركائها الأوروبيين على دعم تونس ماليًا وعدم تركها لأزمتها المالية الاقتصادية. ولئن كانت لا تخفى رغبة السياسة الإيطالية في جعل تونس جدارًا عازلًا في وجه الهجرة غير النظامية من دول الساحل والصحراء وسائر أفريقيا فإنها لا تفصح عن خوفها من تداعيات الأزمة في تونس وآثارها السياسية.

على صعود الإسلاميين، وفي هذا السياق، شدّد وزير الخارجية الإيطالي على أنّ الجميع (يعني الأوروبيين خاصة) مدعوّ للتحرّك، كي لا يُرتكب خطأُ تَرْكِ تونس للإخوان المسلمين!! وليس هذا بغريب عن حكومة يمينية استثمرت في الإسلاموفوبيا الرائجة في خطاب أقصى اليمين الأوروبي.

ومن اللافت أن تونس لم تتفاعل مع هذه الحملة الأوروبية الأمريكية بشأن تونس إلاّ من ردود فعل دفاعية باهتة وخالية من كل رؤية من قبل وزارة الخارجية التونسية، وهو ما جعل من تونس موضوعًا أوروبيًا ودوليًا وليس شريكًا سياسيًا. وهذا ما سمح بطرح سؤال: هل نحن أمام تفعيل شراكة ومساعدة تونس على الخروج من أزمتها المركبة أم بإزاء "مشروع حماية" يذكّر بالكومسيون المالي ولجنته الدولية سنة 1869 والتي حلّت محل وزارة المالية إلى حدود 1884 وكان كل ذلك مقدمة لمعاهدة باردو وانتصاب الحماية في 1881.

يطرح هذا الاهتمام بتونس المأزومة علاقة شركاء تونس من أوروبيين وأمريكان بالديمقراطية، فقد عرفت ثورة الحرية والكرامة المنطلقة من تونس احتفاء مهمًا من قبل هذه الدوائر، ولكنه احتفاء لم يرق إلى مرتبة التبنّي والمرافقة. فكل الثروات في التاريخ لم تعرف استقرارًا لنموذجها الذي تبشّر به إلا بسند خارجي له مكانته ضمن توازن القوّة في العالم.

كما يفصح هذا الاهتمام عن علاقة تونس بمحيطها الإقليمي وتحديدًا علاقتها بالجزائر. وقد يغني تصريح الرئيس تبون الأخير لقناة الجزيرة عن كل بحث وتدقيق في علاقة "الشقيقة الكبرى" بنظام قيس سعيّد. وتتلخّص العلاقة في موقف داعم دعمًا غير مشروط.

لم تعرف الثورة التونسية أكثر من ترحيب ومرافقة عابرين لم يخفّفا من أثر الثورة المضادة الزاحفة. وقد مثل انقلاب 25 جويلية أحد اختراقاتها القاتلة. وعلى هذا الأساس لم يدافع شركاء تونس عن الديمقراطية ولم يصنفوا حركة 25 جويلية على أنها انقلاب. ولو نجح الانقلاب في بسط نموذجه في الحكم الفردي وأمكن له السيطرة على الأزمة المالية الاقتصادية وتحقيق بعض المكاسب الاجتماعية لطويت صفحة الديمقراطية.

ولكن مع فشل الانقلاب وعجزه عن الانفتاح على من رحب بالانقلاب من قوى المجتمع المدني والأحزاب الوظيفية كان المأزق الشامل وما يمكن أن يصحبه من تداعيات على تونس ومحيطها. فبات جليًّا أن شركاء تونس يقاربون أزمتها من خلال ثلاثة مشاغل: الأمني( الهجرة غير النظامية خاصة) والاقتصادي (تونس باعتبارها جزءًا من السوق المغاربية) والاستراتيجي (صراع النفوذ بين الولايات المتحدة والصين).

هذا الموقف الإقليمي والدولي من الأزمة في تونس يوضّح الصورة أمام الحركة الديمقراطية ويدعوها إلى مغادرة حالة طرح مبادرة سياسية مدارها على فكرة الحوار الذي يكون مقدّمةً إلى حكومة إنقاذ وطني تواجه الأزمة المالية الاقتصادية وتعدّ البلاد انتخابات رئاسية وتشريعية. فتكون استعادة الديمقراطية إخراجًا لتونس من شروط قد تدفعها إلى وضع "الحماية والوصاية" مجدّدًا.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات