صورة تونس

هذه الصورةُ نشرتها رئاسةُ الجمهورية في تغطيتها لزيارة الرئيس مصحة العمران التابعة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. الزيارة في حدّ ذاتها تدخل في إطار «طاحونة الشيء المعتاد»، حيث يلعب الرئيس دور المعارض، فيؤكد أن كل مظاهر الخلل التي يعاينها هي «نتيجة للتعطيل والتخريب وتراكمات سابقة» ويدعو إلى «تصورات جديدة» لتكريس العدالة والإنصاف. لكن هذه الصورة هي واحدة من أبرز الهوامش اللافتة للانتباه، ومن خلالها يمكن قراءة الزيارة في بعدها الواقعي بشكل حقيقي بعيدا عن المناورات الإنشائية الفضفاضة، فرُبّ صورة أبلغ من ألف مقال!

باعتماد «قاعدة الأثلاث» التي تعدّ إحدى الركائز الأساسية في التكوين الفوتوغرافي، نقسم الصورة بواسطة خطين أفقيين وخطين عموديين وهميين لنحصل على ثلاثة مستطيلات عمودية. في كل منها نقطة من نقاط القوة في التشكيل البصري للفضاء. ولمّا كان الدماغ البشري يميل إلى قراءة الصور والتقاط مكوناتها من اليسار إلى اليمين، فإن أول مستطيل إذن هو الذي نرى فيه المواطنة، أما المستطيل الأوسط فتحتله الموظفة المسؤولة عن تسليم الأدوية، بينما يشغل الرئيس كامل مساحة المستطيل الثالث، الرجل الواقف يشكل مع المرأتين مثلثا يملأ الفضاء، هكذا تتجسد الحياة في الصورة وينعكس فيها الواقع: السلطة، الإدارة، الشعب!

التقطت الصورة في صيدلية المصحة، نفهم ذلك من العبارة المكتوبة بوضوح على الواجهة الزجاجية «الرجاء التثبت من الأدوية قبل مغادرة الصيدلية». صور الصيدليات عادة ما يكون المكوّن الرئيسي فيها هو الدواء، وهنا لا نرى إلا بعض العلب الموضوعة على الرخام. لو حذفنا هذين العنصرين لوجدنا أنفسنا في إدارة عمومية عادية مثل القباضة المالية أو مكتب الحالة المدنية في البلدية حيث يتقابل يوميا آلاف المواطنين مع آلاف الموظفين وبينهما حواجز بلورية.

قد تبدو الملابس الظاهرة في الصورة مسألة ثانوية، وقد يثير التعليق عليها الحفيظة والجدل، لكن لا يمكن تجاهلها باعتبارها من أهم مكونات المشهد، الملابس هنا تعكس المجال المشترك بين المواطنة والموظفة وهو مجال ثقافي اقتصادي واجتماعي مشترك، فالمريض في مصحة الضمان الاجتماعي هو موظف في مكان آخر، والاثنان معا ينتميان إلى الطبقة العريضة، طبقة الموظفين التي توصف بالمتوسطة رغم أنها لم تعد كذلك!

أهم مكون في الصورة ملامح الوجوه، فالثلاثة يتبادلون نظرات معبرة: نظرة المواطنة محايدة كثيرا، كأنما هي لا تنتظر شيئا من هذه الصدفة التي وضعتها أمام الرئيس، وهي تواصل بهدوء فتح الكيس البلاستيكي بيديها ولا يبدو عليها أي ارتباك. في المستوى الثاني تبدو الموظفة وهي أصغرهما سنا أكثر ارتياحا في جلستها وعلى ملامح وجهها نوع من الانبساط لا يخفى، أما المكون الأهم على وجه الإطلاق فهو ملامح الرئيس التي وإن كان من الصعب قراءتها فإن السمة الغالبة عليها هي الحيرة!

ما الذي نستخلصه من هذه الصورة؟ صيدلية بلا أدويةـ جبة سوداء محل الميدعة البيضاء، طاولة خشبية تفصل المريضة عن الموظفة، وكأنما الحاجز البلوري والرخام لا يكفيان، ليس الخشية من العدوى هي التي تفرض ذلك، بل الخوف والارتياب من الآخر بدليل الدعوة للتثبت من الأدوية قبل مغادرة الصيدلية، رغم صيغة الرجاء الودية تحمل تهديدا واضحا بعدم الاعتراف بأي خطأ بعد الخروج. علوية القانون مزيج من القسوة واللامبالاة، هذه الصورة تلخص حالنا اليوم، وكيف تهيمن الإدارة بكل ثقلها على الواقع فتكبله وتشلّ حركته، وها هو الرئيس واقفا يراقب الجميع بنظرة حزينة ووجه تكسوه الحيرة.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات