منذ أربعين عاما بالتّمام والكمال، قدّم النوري بوزيد شريطه السينمائي الأول «ريح السّد»، فأثار زوبعة غير مسبوقة في تاريخ السينما التونسية. امتدّت الطوابير لأسابيع طويلة أمام القاعات، وصار الفيلم حديث الشارع والجرائد والإذاعات، ومنوّعة مساء الأحد. وتهاطلت الأضواء من كل حدب وصوب على هذا المخرج الذي صدم المتفرّج بواقعية جديدة لم تتعوّدها ذائقته الكلاسيكية، ولم يتقبّلها بسهولة عقله التقليدي، ونال الشريط في دورة العام 1986 لأيام قرطاج السينمائية التانيت الذهبي.
يقدّم الفيلم قصّة طفلين تعرّضا للاعتداء الجنسي في ورشة النجارة التي كانا يشتغلان فيها، فيركّز على التداعيات النفسية والاجتماعية لهذه التجربة الجسدية القاسية بعد سنوات من الصمت، ويلقي الضوء بذكاء شديد على سياقاتها. إذ تدور الأحداث في المدينة العتيقة، وفي مجتمع تقليدي منغلق تعبّر عنه العادات والتقاليد التي رافقت أجواء الاستعداد لزواج «الهاشمي»، والدور المحوري لشخصية الأب الذي يمثل عنف السلطة. داخل هذا الإطار حدث الاعتداء، وحدثت لاحقا المواجهة مع الأب بمختلف صوره الرمزية من أجل التحرر والانعتاق.
كانت تونس في ذلك العام تحديدا تعيش أكثر مخاضاتها الإيديولوجية عنفا، مواجهات في الجرائد وفي ساحات الكليات بين الإسلاميين واليساريين حول هوية الدولة وشكل المجتمع، وعندما قدم النوري بوزيد وهو اليساري المعروف فيلمه هذا لم يركز أحد على موضوع الاعتداء الجنسي على الأطفال بأبعاده النفسية والتربوية والاجتماعية، بقدر انشغالهم بصورة اليهودي الذي ذهب إليه الهاشمي بحثا عن السلام النفسي. وصار ذلك المشهد عنوانا للتطبيع الثقافي!
كان الفيلم يشير إلى أن الانتصار للذات يحتاج القوة والتمرد والثورة، وسوف يرمز إلى ذلك بالاعتداء على صاحب الورشة المغتصب والهروب من سلطة الأب والزواج والبوليس نحو آفاق مفتوحة يعبر عنها مشهد القطار في نهاية الفيلم. كان النوري بوزيد يتحاور مع الواقع عبر الرمز فقدّم من خلال الاعتداء الجنسي على الأطفال صورة عن الكبت الاجتماعي والسياسي الذي كبرنا عليه، عن الحرية المنشودة، والسلام المشتهى، عن الصمت في مواجهة العنف، فالأب الذي يجلد ابنه في الفيلم بالسوط وهو يستعد للزواج لم يكن يختلف كثيرا عن السلطة التي أرسلت في ذلك العام قبيل الامتحانات آلاف الطلبة إلى «رجيم معتوق» لتشجير الصحراء. كان صورة سينمائية عنها، لكن التونسيين لم يهتموا بذلك قدر اهتمامهم بسحل النوري بوزيد بتهمة «التطبيع الثقافي».
كل ما حدث إثر ذلك معروف، ففي غمرة الصراع المزمن على الهوية بين اليمين واليسار (وهو صراع يعود مرة كل عشر سنوات ليحتل واجهة النقاش العام) سيخترق صفوف المتصارعين «رجل الأمن القوي» ليقطف الثمرة ويوزع عليهم الفتات، أطاح الجنرال زين العابدين بن علي بالحبيب بورقيبة الأب الرمزي لدولة الاستقلال. في انقلاب طبي سهل لم يحتج فيه إلى رصاصة واحدة، وظل الجميع مجبرين طيلة عقدين ونيف على وصف ما حدث بالتغيير المبارك!
اليوم وبعد أن أصبح فيلم «ريح السد» رمزا لتحول سينمائي فارق في مستوى الرؤية والأسلوب، وجزءا من تاريخ السينما العربية، يتضح أننا لم نغادر السقيفة بعد، ففي ذكراه الأربعين ما تزال الطفولة تغتصب بأبشع الأشكال على مرأى الجميع، وما يزال الصراع على الهوية محتدما بين النخب. وما تزال مناهضة التطبيع المعيار الأوحد للفضيلة الإيديولوجية.
إن مأساة مجتمعنا الحقيقية تكمن في أنه مجتمع لا يتغير وإن فعل فنحو الأسوأ، قد يكون من أسباب ذلك أن السواد الأعظم من الشعب لا يعبأ بما في الثقافة والإبداع من قدرات تحريضية واستشرافية ورؤى عميقة حول الفرد والمجتمع ولا يأخذهما مأخذ الجد، ورغم انشغال الأعمال الإبداعية في مختلف التعبيرات بقضايا الفرد والأسرة لم نهتد بعد إلى جعل الثقافة معولا من معاول الثورة وسلاحا حقيقيا للتغيير .