المفتي والرئيس

تعود هذه القصّة إلى عهد الرئيس زين العابدين بن علي، رواها شاهد عيان من أهل الثقة. قال كنت حاضرا في موكب تحرّي هلال رمضان، ذات عام من الأعوام، وكان مفتي الجمهورية يتابع لحظة بلحظة ما يرده من أخبار، حتى اكتمل العقد، وانتهت جميع اللجان من مشاهدة السماء، وثبت لديه أن لا أحد تمكّن من رؤية الهلال ليلتها. وقبل أن يعلن في كلمته المتلفزة تعذّر الرؤية، رفع سماعة الهاتف ليخاطب الرئيس ويعلمه بذلك.

كان جميع من في القاعة كأن على رؤوسهم الطير بينما كان المفتي يخاطب الرئيس، يؤكد محدثنا أنه لم يقل شيئا غير إعلام "سيادته" بتعذر رؤية الهلال، ثم ظل يصغي إليه ويحرك رأسه بالإيجاب دقائق طويلة ختمها بقوله: "إذن مبارك عليكم الشهر الفضيل يا سيادة الرئيس!" وأمام دهشة الجميع وضع السماعة وأعلن عن ثبوت الرؤية، واتجه إلى المكتب ليسجل كلمته في التلفزيون. قال محدثنا وهو يكتم ضحكته: لم ير أحد ليلتها الهلال إلا رئيس الجمهورية، ذلك هو ترجمان العبارة الشهيرة "ولكم سديد النظر" التي نذيل بها مكاتيبنا إلى الدولة!

قد تكون هذه القصّة من اختراع الخيال، فالشعوب تبتكر للرؤساء قصصا ومواقف تتندر بها، ولم يكن رئيسنا آنذاك في منأى عنها، لكنها حكاية فيها عبرة، بالنظر إلى علاقة المفتي بالرئيس. إذا صدّقنا هذه الحكاية فإن الرئيس لم يكن يأخذ مأخذ الجدّ موكب تحرّي هلال رمضان الذي يحفل بالكثير من المظاهر الفولكلورية، ومنها ظهور المفتي على شاشة التلفزيون لمخاطبة الشعب، وهو الموقع المخصّص للرئيس دون سواه! موقع لا يتنازل عنه إلا للمفتي مرتين في السنة، مرة لإعلان حلول شهر رمضان ومرة لإعلان نهايته!

نتحدث هنا عن المسافة الفاصلة بين الدين والدولة، والخطاب الرسمي ماكر إذ يعلن أن الأهلة تخضع للرؤية ويستأنس في إثباتها بالحساب، وذلك حتى لا يضع البيض كله في سلة دار الإفتاء، وهو يدرك أكثر من غيره أن اعتماد الرؤية مثله مثل رفع الأذان في الإذاعة والتلفزيون قرارات اتخذت لسدّ الذرائع، وإلجام من يتهمون الدولة بمحاربة التدين منذ عهد بورقيبة.

تجري الأمور الآن على نحو مختلف تماما، فعندما نهر المفتي في موكب هذا العام المحيطين به ودعاهم إلى التزام الصمت لأن (السيد الرئيس بصدد مشاهدتهم) أعطى الانطباع بأن رئيس الجمهورية وهو أعلى هرم السلطة بكل الصلاحيات التي منحها لنفسه، يجلس آنذاك في قصر قرطاج قبالة شاشة القناة الوطنية في انتظار ظهور المفتي كأي مواطن عادي، ولعله وهو ينتظر نتيجة تحري الهلال يخمّن ويضرب أخماسه في أسداسه: هل سنصوم غدا أم بعد غد؟

لا يتوقف الأمر عند الإذعان المطلق للرؤية حتى في ظل اختلاف وجهات النظر بين المسلمين، بل يمتد إلى خطاب التهنئة الذي يوجهه سنويا رئيس الجمهورية إلى الشعب من جامع الزيتونة، فعلى الرغم من أنه لم يرتد مطلقا الزيّ التقليدي كما كان يفعل كل الرؤساء الذين سبقوه فإنه يلقي خطابا دينيا من الألف إلى الياء، فيعيد تقريبا كل ما يقوله المفتي في كلمته عن رمضان وفضائل الصبر والصيام، ولا يختلف عنه إلا في فقرة الدعاء: المفتي يدعو للرئيس والرئيس يدعو لفلسطين! والحق أننا ما أحوجنا إلى من يدعو لنا أو علينا!

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات