الأرض ثروة تنضب، ومُجيرها كمُجير أمّ عامر

الأرض ثروة، وكل ثروة ما لم يحسن ترشيد استثمارها ستنضب، أو تفسد، فيقل من عمر عطائها، ولم يجهل العالم هذه الحقيقية لذلك تداعى إلى عقد قمم عالمية لإنقاذ الأرض، وفي إحدى هذه القمم وزّع منظموها قصة قصيرة تحكي أن (عائلة كانت تعيش على نهر الأمازون، وزرعت أشجاراً مثمرة على ضفافه، وشقيت أيما شقاء في رعايتها حتى كبرت وأثمرت، وصارت العائلة تبيع الثمار، وتستصلح بثمنها المزيد من الأراضي، وتزرعها وترعاها، فتوفّر لها فائضٌ من المال، فوضعته في البنك، وصار البنك يقرض ذلك المال إلى شركة أنشأت مصنعاً للكيماويات على ضفة النهر، وصار المصنع يلوث النهر، حتى أغرق الأرض بالنفايات التي أماتت الأشجار).

هذه القصة نشرها منظمو مؤتمر قمة الأرض في البرازيل، وكانت تهدف إلى البحث عن حلول يتعاون فيها العالم للمحافظة على كوكب الأرض في ظل المخاطر التي تهدد البيئةَ جراء آثار التغيرات المناخية، وارتأى المنظمون أن هذه الحكاية تثير وجدان المؤتمرين، فأطلقوا صيحة الأرض بيتنا، والحفاظ عليها حفاظ على الوجود الإنساني، وصونه من التهديد الداهم، وكان سبق هذه القمة قمةُ ستوكهولم التي انعقدت في ظل ذروة انشغال العالم بغليان الحرب الباردة بين القوى العظمى المتناحرة، ولم يكن هناك من يعنيه ما يحدث للمعمورة التي تقف على شفا هاوية إفساد كوني يتسع بتوسعة ثقب الأوزون، وهو اتساع يؤدي إلى تدمير الأرض.

المضحك المبكي أن إحدى الدول العظمى حينها أطلقت على القمة قمة التجسس، فحاربت مقترح القمة في إجراء مسح جوي للحصول على معلومات عن أثر التغييرات البيئية في الأرض والبحار، ولأن السياسة هي قميص لستر عورات جشع الشركات العالمية التي لا يعنيها تحويل الأرض إلى مدخنة حرائق، ولا يعنيها إلا تضليل العالم عن بذرة الموت التي تنمو جراء توحش رأس المال، فكثيراً ما كانت تلك الشركات العملاقة تنتج سياسيين يكونون ذراعها الطويل في إدارة أهدافها تحت أقنعة سياسية، فتحوّل هذه الشركات السياسة إلى مخالب لها، ولا تعنيها صرخات الأرض أنها ثروة ناضبة إن لم يحسن ترشيدها والمحافظة عليها.

تعددت القمم، وعلت الشعارات، لكن في الحقيقة استمر تجاهل الخطر الذي يهدد الأرض لأنه ناشئ في أغلبه عن صناعات، أو استخدام صناعات غير رحيمة بالأرض، ولم تعن الحكايا غير ظاهرة صوتية للتسلية، فالأدب حكي وكلام لا يحمي الإنسان، ولا يخبز له إلا الهواء، والمنظمات العالمية الراعية لدعوات حماية الأرض؛ على الرغم من ظاهر سمو دعواتها؛ هي مرتهنة إلى راعٍ سياسي، أو محكومة بمصلحة سياسات عالمية، تنفي عنها النزاهة في كثير من الأحوال، وفي كثير من الأحيان نجد أن هذه المنظمات تنظر إلى القضايا الإنسانية والبيئية بعين سياسة موجّهة.

لكم تشبّه استجارة الأرض بالمنظمات الدولية بإجارة أم عامر، وتلك قصة تحكي أن جماعة خرجت إلى الصيد، ولاقت أنثى ضبع، وكانت العرب تكنيها بأم عامر، فطاردوها، فالتجأت إلى بيت أعرابي، فأجارها ومنعها من مطارديها، وسقاها من لبن شاته حتى تعافت، وفي الليل تحينت نوم مجيرها، فانقضت عليه وقلته، وشربت من دمه، وفي الصباح حينما أقبل ابن عم الأعرابي يطلبه وجده مقتولاً، وعلم أن الفاعلة هي أنثى الضبع أم عامر، فاقتفى أثرها حتى وجدها، فرماها بسهم فأرداها قتيلة، وقد أنشد أبياتاً صارت مثلاً يردده الناس إلى وقتنا هذا:

ومنْ يصنع المعروفَ في غير أهله ِ…. يـلاقي الــذي لاقـَى مجيــرُ أمِّ عامر ِ

أدام لهــا حين استجارت بقـــــــربهِ …. طعامــاً وألبــان اللـــقاح الدرائـــــر ِ

وسمـَّـنها حتـى إذا مـــــا تكاملــــتْ …. فـَـرَتـْهُ بأنيــابٍ لهـــا وأظافــــــــــر

فقـلْ لذوي المعروفِ هذا جزاء منْ …. بدا يصنعُ المعروفَ في غير شــاكر

الأرض تتألم يا صاحبي، والشركات العظمى التي تنتج التقنيات العظيمة لا يعنيها تلك الآلام، فهي لا تستمع إلا إلى أرقام أربحها، أما المنظمات التي تدّعي دفاعها عن الأرض فهي مخترقة بأموال تلك الشركات وسياستها.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات