حياتنا سوق حرامية

مَن يستغرب أحوال العرب هو الاستغراب والغرابة والغربة والاغتراب . المستغرب أن نستغرب من أمة تنشئ في كل مدينة فيها سوق حرامية، وتتسوق منه حصراً أيام الجُمع. والغريب أن نستغرب أن يكون أدب أدبائها سوق حرامية، ويُحتفى بهم أيام أعيادنا القومية.

والأغرب أن نذهل من أمة ترى خطباء منابرها أوقاف سلاطينها، وتستثمرهم خانات لبغال أحلامهم ، وهي أحلام عصافير. وأن ندهش من أمة أمناء أمنها القومي الرقاصات ، و فساتين مطرباتها ثروة قومية أنفس من كل مخطوطات التراث العربي . ونمر أحذيتهن نحفظها أكثر مما نحفظ من تواريخ كل أيام العرب .

أمة لا قدس عندها مقدسة إلا ظل السيدات الأول . ولا رايات أهم من أعلام الفرق الرياضية . أمة شرفاؤها متسولون على قارعة النسيان ، وزعرانها قدوتها و وجهاء مجتمعاتها ،فيها المشايخ يحلقون نصف لحاهم من الأعلى ليتشبهوا بلنين و يطوّلون نصفها الأسفل ليتمثلوا بركة الجنيد ،ويقصرون جلابيهم من الأسفل ليتشفعوا بالأولياء .

أمة علمانيتها لبس قميص الأصولية بالمقلوب ، ولبيراليتها اعتمار قبعة أزهرية على بنطلون الجنيز المشقق أو لبس العباءة العشائرية فوق سروال البرمودا. أمة صبيانها أولياء نعمة مربيهم ، أمة من كوكتيل فواكه فاسدة ، لا تنتج إلا الأمراض و الأوبئة فلا علينا أن نذهب أنفسنا حسرات على خرابها.

بلى ، ونعم وأجل ، لكل أمة أرذل عمر ، و أمتنا تعيش أرذل عمرها. والبقية بحياة رعاتها، ولا يعيش منهم أي كديش حتى ينبت الحشيش.

الزيف في الأرض بعض من تكوننا لو لم نجده لاخترعناه. والحيط للآذان اخترعناه ، وهو يسمع تفكيرنا، ولو كان بلغة رمزية، و عن صراخ الحيط فينا لسنا نحن أخرسناه. ما الذي يرجوه الغد منا، ونحن نبدع الأزمة، و تبتكر أزمة حلّها .


نحن مَن فَرح أزمة اللا أزمة بقرقعة المتة اخترعناه، وفنجان القهوة المرة للنشامى إن هزموا صببناه.

نحن مَن يشتم في الجمعات زرافات وفرادى الخوارزمي ، و علم رياضياته حرّمناه.

أول النهار الحشيش ، وآخر الليل خلف الستائر شيباً وشباباً و صبايا وشمطوات استحللناه.

نستظلم الريح التي هزت جبالنا، و وبعد تخوين التاريخ عن أصلنا سألناه

بعد أن أعدموا عمر المختار شيخ ليبيا خوّنه و نحن الخائن ماخوّناه

نشجب وندين ونستنكر المؤامرة، و ذكاء مؤامرة اللامؤامرة نحن أبدعناه.

واستعجزنا اختراع خرم إبرة لكن الغرق في بحر الربع الخالي :


إذا بَلَـغَ الفِطَـامَ لَنَا صَبِـيٌّ/ تَخِـرُّ لَهُ الجَبَـابِرُ سَاجِديْنَـا . ليصيد لهم سمكاً من بحر الربع، و النجم كالسمك في الليل اصطدناه

إلا أنا لا نعرف أن نعجن من قمحنا رغيفاً غير محروق لذلك أسفنا أننا بلا خبز النجم أكلناه

الليل و الخيل و البيداء تعرفنا /و الغجر ما من علم لنا قالوا عرفناه

ونسينا أن المتنبي في الهروب ما لحقته خيله ، والشعر ضالة العاجزين ، ومّن لا ديوان علم له إلا الشعر ، يبقى شحاذاً للتاريخ ،يغني على ليلاه .

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات