ما أفلسنا من الضحك يا صاحبي، ولكن كأنما خبأ لنا الزمان ضحكنا الأبيض ليومنا الأسود، والعكس غير صحيح فلا يوم أبيض لنا في هذا العالم إلا أسنانه البيض التي تضحك منا، لكن كم أضحكني السؤال: هل في هذا الزمن ما يضحك، وصوتتا في غيابة جب، والسيارات تمرّ مفيمة، وأنا أظن أن الحيط الذي أمشي بظله يناكفني فيترنم :تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة، ووجهك وضّاح وثغرك باسم، والحقيقة السيارات المفيمة لا تعرف الهزيمة حتى لو احتلت إسرائيل آخر مقامات الأولياء العرب.
إنما السائقون يهب عليهم النعاس من مكيفاتها، ومن همس فيروز الرومانسي: " لا تتدهي ما في حدا " فلا يرون الجب الذي نحن ، ولا يسمعون أنين يوسف، ولا أطفال غزة، إنما يرددون كفقهاء القرن الثاني الهجري: وزليخة تسأل قلبها إن كان جلد يوسف موجعاً، ما أضحكنا، أضحك بنا.
وأسألك يا صاحبي و أنت تنكر النعم، ألا ترى كم يحوز أبناؤنا في المدارس من مرحات، ألا ترى صورهم مع مرحاتهم نهاية كل فصل تغرق الفيسبوك. إنها تكفي لتبليط سبعة بحور، و تحجب بها سماء سبعة كواكب، نحن أمة سقفها مرحات، ومن كانت بيته من ورق، لا يشعل ناراً.
قل للمتآمرين على تعليمنا: انتظرونا سنغرو الكون بالمرحات، وسندك قلعة التصنيفات العالمية، ونقعد على عامودها متقدمين على كل تعليم الكون قاطبة، وعلى ذكر قاطبة، قطّب جبينك وغنّ: (حتى إذا ما انْتَدْبنا العرب قاطبة. كنّا كأنّا انتدبنا واحداً رجلا( . واحداً رجلاً يا رجل تالله سنخرج تعليم العالم من ثقب بابها قادمون بالتعليم بالرقص والغناء، والعقيدة الحزبية، ولن يصمد أي علم أمام سيوف المرحات، ودروع الهز الفيزيائية. مَن ذا الذي يهزم تربية أطفالها يغنون للبعث يا طلائع، مَن سوانا، وسوى الدول الخارجة من معطف الإنسانية يرضع الأطفال حليب سياسية الحزب الواحد.
أضحكني فما أضحكه، وأضحك به مسخ من هذا الزمان ولد وفي فمه ملعقة تسلّط ذهبية، وتعلق بذنبه الحظ الذي يفلق الصخر. فلا هو يشقى، ولكن يغنى، ولا يعرف معنى ما يغني: تعلّق قلبي طفلة عربية تنعم بالدبياج والحلل.
هو ذلك الذي سمع هذه القصيدة المنحولة فرددها لاثغاً بكل حروفها، فرقّوه إلى أمين اللجنة العظمى للإعلام، و تمكين اللغة العربية الملثوغة، والقائد الحزبي للحمير القبرصية . وراح كل ساعة يغرقنا بصوره مرة يأكل مع الشعب خبز التنور في الهواء، وأخرى يجلس القرفصاء ليأكل السختورة. فصار مدرسة تلهم المسؤولين تصوير جولاتهم. أتظن أن صاحب الاستعراضات أي مشروع بنائي، صدقني حين تكون أولوية المسؤول على الصور، تأكد أنه وقواق في ريش طاووس.
ويحكى أن مَن تطوّع بجمركة الحكي كان يملك من تركة أبيه مكب عظام، كانت ترمى له لحسن نباحه على أشعة القمر، فبات يقعو على مزبلته، ويراقب من يدير وجهه عن رائحة العظام ليتهمه بمعاداة النباح السامي.
كنت تقول لي : أما بنعمة السيئ فحدث، فالسيئ أحسن من الأسوأ. ونسي أن السيئ لن يلد إلا الأسوأ. وأذكر على وقع أغنية شرم برم كعب الفنجان قول "سيبنوزا" : الحقيقة معيار ذاتها كالنور يعرف بذاته، و به يعرف الظلام. استمتع يا صاحبي فما أضحكه واضحك به... وما أبكاه وأبك به بَكى صاحِبي لَمّا رَأى الدَربَ دونَنا وَأَيقَنَ أَنّا لاحِقانَ بِقَيصَرا/ فَقُلتُ لَهُ لا تَبكِ عَينَكَ إِنَّما نُحاوِلُ مُلكاً أَو نَموتُ فَنُعذَرا ... ومن مات في طلب ملك لا يرحم يا صاحبي.