ميزانية تونس 2027: حين يصبح استخلاص الثروة بديلًا عن صناعتها
إذا كثرت الجباية أشرفت الدولة على النهاية؛ مقولة قد يذهب البعض في تفسيرها إلى أن إثقال كاهل المواطن بالضرائب يمهّد لثورة اجتماعية على السلطة. غير أن خطورتها، في تقديري، تتجاوز احتمال الغضب الشعبي إلى ما هو أعمق: أن تكون كثرة الجباية مؤشرًا على عجز الدولة عن ابتكار سياسة اقتصادية قادرة على خلق الثروة، حتى تصبح مضطرة إلى البحث عن بقائها في جيوب مواطنيها حتى يعجز المواطن وتنهار الدولة دون تحركات شعبية ودون اي معارضة.. اي انها تفقد قدرتها على البقاء..
فالجباية، في جوهرها الاقتصادي، ليست ثروة جديدة تنتجها الدولة، وإنما هي اقتطاع من ثروة سبق أن أنتجها الأفراد والمؤسسات. إنها تحويل مالي لجزء من جهد اقتصادي تحقق بالفعل، ثم أعيد توزيعه عبر الخزينة العامة. ولا تتحول هذه الأموال إلى قيمة اقتصادية إضافية إلا بقدر ما تنجح الدولة في توظيفها لرفع الإنتاجية وتطوير البنية التحتية وتحسين الخدمات وتهيئة الظروف لخلق ثروات جديدة.
ومن هنا يتولد السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي نقاش حول حجم الضرائب: ماذا أضافت الدولة إلى الاقتصاد مقابل ما اقتطعته منه؟
يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة عند قراءة مشروع ميزانية الدولة التونسية لسنة 2027، الذي يقدّر المداخيل الجبائية بنحو 49.6 مليار دينار، من مجموع مداخيل ميزانية تبلغ 54.28 مليار دينار، أي ما يعادل نحو 91.4% من الموارد المرصودة.
صحيح أن هذه النسبة لا تعني أن الدولة لا تنتج سوى 8.6% من الثروة الوطنية، فالبقية تمثل المداخيل غير الجبائية والهبات، ولا يجوز الخلط بينها وبين القيمة المضافة التي يحققها الاقتصاد بمختلف قطاعاته. كما أن اعتماد الميزانيات العمومية على الضرائب ليس أمرًا استثنائيًا في ذاته. لكن ما يستحق المساءلة هو أن يتحول التركيز على تعبئة الموارد إلى عنوان شبه دائم للسياسة المالية، في اقتصاد لا تزال إمكاناته الإنتاجية بعيدة عن طاقاته البشرية والطبيعية.
فتونس ليست بلدًا معدوم الموارد حتى يكون أقصى طموحه تحسين آليات الاستخلاص. إنها دولة تمتلك أراضي فلاحية، وثروات منجمية وطاقية، وموقعًا استراتيجيًا، وكفاءات علمية ومهنية، وإمكانات صناعية وتجارية وسياحية. ومع ذلك، يبدو أن السؤال الأكثر حضورًا في إدارة المالية العمومية هو: من أين نأتي بالأموال لتغطية الالتزامات؟ لا كيف نخلق نشاطًا اقتصاديًا جديدًا يجعل تلك الالتزامات قابلة للتمويل بصورة مستدامة؟
وهنا يكمن الفرق بين دولة تدير مواردها ودولة تدير عجزها.
إن الدولة التي تعجز عن توسيع قاعدة الإنتاج، ثم تنصرف إلى البحث المستمر عن موارد إضافية من الاقتصاد القائم، تشبه شركة صغيرة فشل طاقمها الإداري في تطوير نشاطها، فأصبح كل همه تأمين السيولة اللازمة لدفع الأجور وتسديد الديون وتأجيل الانهيار إلى ما بعد تقاعد المدير التنفيذي.
في تلك الحالة، لا يعود النجاح مرادفًا للتوسع أو الابتكار أو زيادة الإنتاج، وإنما يصبح مجرد القدرة على إنهاء السنة المالية دون إعلان الإفلاس.
إنها إدارة للبقاء، لا إدارة للتنمية؛ وإدارة لتأجيل الأزمة، لا لمعالجة أسبابها.
غير أن الإشكال لا يتوقف عند الخيارات الجبائية، بل يمتد إلى فلسفة اختيار من يتولون قيادة المؤسسات الاقتصادية والمالية.
فحين تُسند وزارة المالية إلى شخصية آتية من السلك القضائي، كما هو الحال مع الوزيرة مشكاة سلامة الخالدي، يصبح من المشروع التساؤل عن المعايير التي تعتمدها السلطة في اختيار من يقود السياسة المالية للدولة.
ليس في هذا التساؤل انتقاص من مهنة القضاء، ولا حكم مسبق على قدرات الوزيرة أو معارفها، فالتخصص الأصلي لا يكفي وحده لإثبات الكفاءة أو نفيها. لكن وزارة المالية، بما لها من ارتباط وثيق بالاقتصاد والاستثمار والتمويل والإنتاج، تحتاج إلى رؤية تتجاوز إدارة النصوص والإجراءات والمنازعات إلى فهم عميق لديناميكية الأسواق وآليات خلق الثروة والتحولات الاقتصادية العالمية.
فوزارة المالية ليست محكمة، والميزانية ليست ملفًا قضائيًا، والاقتصاد الوطني ليس خصومة تبحث الدولة عن حكم يصدر لفائدتها.
والمسألة هنا ليست مجرد مقارنة بين شهادة جامعية وأخرى، وإنما بين عقليتين في إدارة الشأن العام: عقلية تنظر إلى النجاح باعتباره إحكامًا للإجراءات وتحصينًا للقرارات، وأخرى تقيس النجاح بما تحقق من نمو واستثمار وإنتاجية ومواطن شغل وتحسن في مستوى عيش المواطن.
فهل نريد من وزارة المالية أن تكون جهازًا بارعًا في الاستخلاص والمراقبة والدفاع القانوني عن قرارات السلطة، أم مؤسسة تقود سياسة مالية تفتح أمام الاقتصاد فرصًا جديدة للنمو؟
وهل أصبح معيار نجاح المسؤول الحكومي قدرته على إدارة الملفات وإغلاقها، أم قدرته على صناعة الفرص وتطوير الموارد؟
تزداد هذه الأسئلة إلحاحًا عندما تتصدر ملفات الفساد والملاحقات والنزاعات الخطاب السياسي، حتى يكاد يبدو أحيانًا أن الدولة تخوض معركة قضائية متواصلة، بينما تتراجع معركة التنمية إلى مرتبة ثانوية.
لا خلاف في أن مكافحة الفساد واسترجاع المال العام واجبان لا يجوز التهاون فيهما. لكن مكافحة الفساد ليست برنامجًا اقتصاديًا، واسترجاع الأموال المنهوبة، مهما بلغت قيمتها، لا يعوّض الحاجة إلى إنتاج ثروات جديدة.. فحين تغيب الثروة ماقيمة القضاء وماذا سيحرص اصلا!!!!!!!!!!!!!!
وإذا كانت هناك شبهة تتعلق بالاستيلاء على المال العام، فمؤسسات الرقابة والتحقيق والقضاء موجودة لمعالجتها وفق القانون. أما أن تطغى عقلية إدارة الخصومات على أولويات المؤسسات الحكومية، فذلك يطرح سؤالًا بالغ الخطورة حول كلفة الفرص الاقتصادية التي تضيع بينما تنشغل الدولة بمعاركها.
فليس من المنطق أن نُسخّر جانبًا كبيرًا من عقل الدولة لملاحقة من يُشتبه في أنه استولى على جزء من الثروة، ثم ننسى مسؤوليتنا في خلق الظروف التي تسمح بإنتاج تلك الثروة أصلًا.
أي نصر اقتصادي يتحقق إذا ربحت السلطة ملفًا قضائيًا وخسرت البلاد فرصًا استثمارية؟ وأي بطولة يمكن الاحتفاء بها إذا نجحت الحكومة في استرجاع أموال، لكنها عجزت عن بناء منظومة اقتصادية قادرة على إنتاج أضعافها؟
إن محاسبة الفاسد تحمي الثروة من الاعتداء، لكنها لا تصنع الثروة وحدها. والفارق بين المهمتين هو الفارق بين دولة تحمي ما تملك ودولة تعرف أيضًا كيف تنمّي ما تملك.
وفي الوقت الذي تتسابق فيه الدول على تطوير الصناعات المتقدمة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والطاقة والبحث العلمي، لا يمكن أن يظل الأفق الاقتصادي لتونس محصورًا في كيفية تعبئة موارد إضافية، أو الاقتراض لتغطية العجز، أو تحسين القدرة الإدارية على الاستخلاص.
فالتنافس الاقتصادي العالمي لا ينتظر دولة منشغلة بإدارة أزماتها الداخلية. وكل سنة تُهدر دون استثمار فعلي في الإنتاج والمعرفة والمؤسسات هي سنة تتسع فيها المسافة بينها وبين الاقتصادات التي اختارت صناعة المستقبل.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجّه السياسة المالية ليس: كيف نأخذ مزيدًا من الأموال من المواطن والمؤسسة؟
بل: كيف نساعد المواطن والمؤسسة على إنتاج مزيد من الثروة، حتى ترتفع مداخيل الدولة نتيجة توسع الاقتصاد، لا نتيجة زيادة الضغط عليه؟
هناك فرق كبير بين دولة ترتفع مداخيلها الجبائية لأن مؤسساتها توسعت واستثماراتها نمت ومواطن الشغل فيها تضاعفت، وأخرى تتزايد حاجتها إلى الموارد الجبائية لأنها لم تنجح في توسيع النشاط الاقتصادي بالقدر الكافي.
الأولى تجني ثمار التنمية، والثانية تبحث عن تمويل استمرارها.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى إلغاء الضرائب أو التقليل من دورها في تمويل المرافق العمومية، فالجباية ركن أساسي في مالية أي دولة حديثة. إنما الخطر يبدأ حين تتحول من أداة لتمويل التنمية إلى بديل عن التفكير في التنمية نفسها، وحين يصبح رفع قدرة الدولة على الاستخلاص أكثر حضورًا من رفع قدرة الاقتصاد على الإنتاج.
ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب دولة ليس نقص مواردها الطبيعية أو المالية، وإنما أن يفقد من يديرونها القدرة على التمييز بين إدارة الثروة وإنتاجها، وبين الانتصار السياسي والنجاح الاقتصادي، وبين تأجيل الانهيار وبناء المستقبل
.
فقد تستطيع السلطة تأجيل أزمة السيولة عامًا بعد عام، وقد تنجح في تعبئة قروض جديدة أو تحسين نسب الاستخلاص، لكنها لا تستطيع تأجيل الحقيقة الاقتصادية إلى ما لا نهاية..
والحقيقة أن الاقتصاد لا ينمو بكثرة محاضر الاستخلاص، ولا تتضاعف ثرواته بإحكام الملفات القضائية، ولا يصبح أكثر تنافسية لمجرد نجاح السلطة في الدفاع عن قراراتها.
إنه ينمو بالمؤسسات المنتجة، والاستثمار، والعلم، والابتكار، والعمل، والسياسات التي تحوّل الإمكانات الطبيعية والبشرية إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
فالجباية تستطيع تمويل الدولة، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة اقتصاد. ومن لا يخلق شروط إنتاج الثروة سيجد نفسه يومًا يحاول اقتطاع الضرائب من اقتصاد أنهكه الاقتطاع.
وهنا يتضح المعنى الأعمق للمقولة التي بدأنا بها: إذا كثرت الجباية أشرفت الدولة على النهاية.
ليس بالضرورة لأن المواطن سيثور على السلطة، وإنما لأن السلطة قد تكون استنفدت أفكارها في خلق الثروة، ولم يعد لديها ما تقدمه سوى إعادة اقتطاع ما ينتجه غيرها.
وحين تعجز الدولة عن صناعة الثروة، وتصبح مهمتها الأساسية البحث عمّا تبقى منها لاستخلاصه، فإنها لا تكون بصدد إدارة المستقبل، بل بصدد تمويل تأجيل نهايتها.