لماذا بقيت المحكمة الإدارية في تونس، عبر أنظمة سياسية مختلفة، تبدو قوية في أحكامها وقراراتها، وغير خاضعة بالقدر نفسه الذي خضعت به مؤسسات أخرى لضغط السلطة وابتزازها؟
اللي ما يعرفش يقول سبول…
فمن ينظر إلى أحكام المحكمة الإدارية وحدها قد يعتقد أنها قلعة محصنة، وأن قضاتها يملكون من القوة ما يجعلهم فوق كل سلطة. والحقيقة أن المحكمة الإدارية مؤسسة تونسية، قضاتها تونسيون وموظفوها تونسيون، ويعيشون داخل البيئة الإدارية والاجتماعية نفسها التي تعيش فيها بقية مؤسسات الدولة. وهي، مثل أي مؤسسة أخرى، يمكن أن يطالها الضعف أو الفساد أو ضغط السلطة؛ فقضاتها ليسوا قادمين من كوكب آخر.
ومع ذلك، احتفظ القضاء الإداري عبر مراحل مختلفة بقدر واضح من الجرأة، فألغى قرارات للوزارات والولاة والهياكل العمومية، وأصدر أحكاما لا تنسجم أحيانا مع رغبة السلطة القائمة.
فلماذا تحملت الأنظمة المتعاقبة ذلك؟
الجواب، في تقديري، ليس أن المحكمة أقوى من السلطة، بل لأن السلطة لم تكن دائما محتاجة إلى إخضاعها بالكامل. فالسلطة لا تخوض معركة مكلفة إذا كانت نتيجتها محسومة بوسيلة أقل كلفة.
كيف ذلك؟
المحكمة الإدارية تستطيع أن تحكم ضد السلطة، لكنها لا تملك جهازا مستقلا ينفذ أحكامها. أما الجهة التي يفترض أن تحول الحكم من كلمات مكتوبة إلى واقع، فهي الإدارة نفسها التي صدر الحكم ضدها.
أي أن الخصم الذي خسر القضية هو نفسه المكلف بتنفيذ الحكم لفائدة من انتصر عليه!
ينص الفصل 9 من القانون عدد 40 لسنة 1972 المتعلق بالمحكمة الإدارية على أن حكم الإلغاء يوجب على الإدارة إعادة الوضعية القانونية إلى حالتها الأصلية بصفة كلية. ويعتبر الفصل 10 من القانون نفسه عدم التنفيذ المقصود لقرارات المحكمة خطأ فاحشا يعمر ذمة السلطة الإدارية المعنية. أما الفصل 55، فإن الصيغة التنفيذية للحكم تأمر الوزراء وكافة السلط الإدارية المعنية بتنفيذه.
النصوص تبدو قوية، لكن أين وسيلة الإكراه؟
لا تستطيع المحكمة أن ترسل قوة عامة لإجبار الوزارة على التنفيذ، ولا يمكن التعامل مع الأملاك العمومية كما يقع التعامل مع أموال شخص خاص، كما لا يملك القاضي الإداري، في الإطار القانوني النافذ حاليا، سلطة عامة وواضحة لفرض غرامة تهديدية يومية على المسؤول الممتنع أو تحديد أجل ملزم له تحت طائلة عقوبة شخصية.
وبذلك قد يجد المواطن نفسه مضطرا إلى رفع قضية جديدة في التعويض بسبب عدم تنفيذ الحكم الأول. وحتى عندما يحكم له بالتعويض، فإن المال يدفع من ميزانية الإدارة، أي من أموال المجموعة الوطنية، وليس من جيب المسؤول الذي قرر تعطيل التنفيذ. وهكذا يخطئ المسؤول، ويدفع المواطن الضريبة، ثم تدفع له الدولة التعويض من الضرائب نفسها!
أما الفصل 315 من المجلة الجزائية، الذي حاول بعض فقه القضاء الاستناد إليه، فهو نص عام يعاقب من لا يمتثل لما أمرت به القوانين والقرارات بالسجن مدة خمسة عشر يوما وبخطية قدرها أربعة دنانير وثمانمائة مليم. وهي عقوبة لا تتناسب مطلقا مع خطورة مسؤول إداري يعطل حكما قضائيا باتا، فضلا عن أن تطبيق هذا الفصل على عدم تنفيذ الأحكام لم يستقر بصورة واضحة وفعالة.
والأغرب أن الفصل 111 من دستور 2014 كان ينص صراحة على أن الأحكام تصدر باسم الشعب وتنفذ باسم رئيس الجمهورية، ويحجر الامتناع عن تنفيذها أو تعطيل تنفيذها دون موجب قانوني. أما الفصل 118 من دستور 2022 فقد احتفظ بالنصف الأول من العبارة، أي أن الأحكام تصدر باسم الشعب وتنفذ باسم رئيس الجمهورية، وأسقط التحجير الصريح للامتناع عن التنفيذ أو تعطيله.
هذا الحذف لا يجعل تعطيل الأحكام مشروعا، لأن حجية الأحكام والقوانين النافذة مازالت قائمة، لكنه يمثل تراجعا واضحا في مستوى الحماية الدستورية الصريحة للتنفيذ.
بالدارجة التونسية، تبدو العلاقة أحيانا وكأن السلطة تقول للمحكمة الإدارية:
احكمي اللي تحبي، وقرري اللي تحبي، وأنا هاني شادة الصفاية؛ نعدي الحكم اللي نحب عليه، ونعطل الحكم اللي ما يناسبنيش.
بل قد يكون الحكم الصادر ضد السلطة مفيدا لها من حيث الصورة. فهي تستطيع أن تقول للمنظمات وللرأي العام الوطني والدولي: انظروا، لدينا قضاء مستقل يلغي قراراتنا ويحكم ضدنا. ثم عندما يصل الحكم إلى مرحلة التنفيذ، ترتدي السلطة ثوب الإدارة وتبدأ الأعذار: الحكم لم يصل، النسخة التنفيذية لم ترد، التنفيذ متعذر، الوضعية تغيرت، هناك إشكال إجرائي، أو أن المرفق العام لا يسمح بذلك.
وهكذا تحتفظ السلطة بواجهة القضاء المستقل، وتتخلص في الوقت نفسه من الآثار التي لا تريدها.
وهذه ليست مجرد فرضية نظرية. ففي سنة 2020، وبحسب ما أعلن عنه الموفق الإداري عند تقديم تقريره، لم تستجب مؤسسات الدولة إلا لتنفيذ 13 حكما من أصل 117 حكما معروضا عليه.
وفي أوت 2022، أوقفت المحكمة الإدارية تنفيذ إعفاء 49 قاضيا من جملة 57 شملهم أمر الإعفاء، وهو ما كان يقتضي قانونا عودتهم إلى المباشرة، لكن وزارة العدل لم تنفذ تلك القرارات.
ثم جاءت أوضح صورة خلال الانتخابات الرئاسية لسنة 2024، عندما قضت الجلسة العامة القضائية للمحكمة الإدارية، بأحكام باتة وغير قابلة للطعن، بقبول ترشح عبد اللطيف المكي ومنذر الزنايدي وعماد الدائمي. لكن هيئة الانتخابات أعلنت استحالة تنفيذ الأحكام لأسباب إجرائية، وأبقت القائمة النهائية في حدود ثلاثة مترشحين فقط.
المحكمة حكمت، لكن الجهة الممسكة بمفتاح التنفيذ صنعت واقعا مخالفا للنتيجة القضائية.
هذا لا يعني أن كل أحكام المحكمة الإدارية لا تنفذ، ولا أن استقلال قضاتها مجرد وهم. على العكس، إن جرأة عدد كبير من أحكامها وقيمة فقه قضائها حقيقتان لا يمكن إنكارهما. لكن استقلال إصدار الحكم ليس إلا نصف الاستقلال؛ أما نصفه الثاني فهو قدرة الحكم على تغيير الواقع رغم إرادة السلطة المحكوم ضدها.
ولا أدعي أن هناك محضرا سريا جلست فيه الأنظمة المتعاقبة وقررت إبقاء المحكمة الإدارية حرة لتستعملها زينة أمام الرأي العام. لكن البناء المؤسسي القائم أنتج النتيجة نفسها: السلطة لا تحتاج إلى السيطرة الكاملة على المحكمة ما دامت قادرة على تحييد آثار الأحكام بعد صدورها.
بل إن الحكم المخالف لرغبة السلطة قد يكون أنفع لصورتها من الحكم المطيع؛ تلوح به دليلا على استقلال القضاء، ثم تمتص أثره عند التنفيذ.
وما يؤكد استمرار الفراغ أن عشرة نواب أودعوا في جوان 2026 مقترح القانون الأساسي عدد 44 لسنة 2026 المتعلق بضمان تنفيذ الأحكام والقرارات القضائية وتجريم تعطيلها، وقد أحيل في جويلية إلى لجنة التشريع العام، لكنه مازال إلى اليوم مقترحا معروضا على اللجنة، لا قانونا نافذا.
إن إصلاح هذه المعضلة لا يكون بمدح المحكمة ولا بمطالبة قضاتها بمزيد من الجرأة، بل بإحداث منظومة تنفيذ مستقلة وفعالة، ومنح القضاء سلطة تحديد آجال التنفيذ وفرض الغرامات التهديدية، وتحميل المسؤول الممتنع المسؤولية الشخصية والمالية والجزائية، بدلا من تحميل أخطائه لميزانية الدولة.
فالقضاء لا يكون مستقلا لمجرد أنه يستطيع أن يقول للسلطة: قرارك غير قانوني. يصبح مستقلا فعلا عندما لا تملك السلطة بعد ذلك إلا الامتثال.
قوة القضاء لا تقاس بجرأة منطوق الحكم، بل بالمسافة الفاصلة بين ذلك المنطوق والواقع.
ولا توجد دولة قانون عندما تستطيع السلطة أن تخسر القضية... وتربح النتيجة.