حين يشرّع الإعلام القوانين… يأتي البرلمان ليصادق عليها
قد يوحي مصطلح "الجودة" بكل ما هو جميل حين نتحدث عن الإنتاج أو الصناعة أو الخدمات، لكن في عالم السياسة والتأثير والتوجيه وصناعة الرأي العام يختلف الأمر تمامًا. فالجودة هنا قد لا تعني جودة الفكرة، بل جودة عرضها، وقوة تكرارها، وقدرتها على احتلال المشهد حتى لو كانت في أصلها حالة شاذة لا تمثل إلا نسبة ضئيلة جدًا من المجتمع.
كيف يُصنع القرار؟ وكيف تُطرح فكرة في سوق الآراء حتى تتحول تدريجيًا إلى واقع اجتماعي، ثم إلى قاعدة، ثم إلى قانون ينظم شكلًا معينًا من المجتمع المستهلك؟ قد لا يكون هذا المقال قاعدة علمية مرجعية قبل إخضاع فكرته للاختبار والبحث، لكنه على الأقل فرضية تستحق النقاش، وربما استنتاجًا لما نراه يجري أمامنا كل يوم.
حين نرى ظاهرة اجتماعية خطيرة منتشرة إعلاميًا، أو أُريد لها أن تبدو منتشرة، قد نظن تلقائيًا أنها أصبحت غالبة في المجتمع. والقصد من عرضها بهذه السيادية ليس بالضرورة إقناع المجتمع بأنها سيئة وضرورة الابتعاد عنها، بل يكفي في المرحلة الأولى إقناعه بأنها موجودة في كل مكان، وأنها أصبحت واقعًا عليه أن يتعامل معها.
حتى لو كان التعامل معها في البداية على أنها أمر سلبي ومرفوض، فإن مجرد الانتقال من مرحلة هذه حالة شاذة إلى مرحلة هذه ظاهرة يجب أن «نناقشها» هو في حد ذاته أول انتصار للفكرة. لأن التطبيع يبدأ أحيانًا من مجرد قبول وجود الشيء بوصفه واقعًا اجتماعيًا دائمًا.
خذ مثلًا السلوكات الشاذة لدى بعض التلاميذ في المدارس. قد لا تمثل هذه السلوكات إلا نسبة ضئيلة جدًا من الوسط التلمذي، لكن حين لا تعرض الكاميرا إلا هذه النماذج، وحين يُعاد بثها ومناقشتها وتحليلها باستمرار، بينما يُغيب آلاف التلاميذ الذين يعيشون حياة عادية ومنضبطة، فإن الواحد بالمائة (1%) يمكن أن يتحول في ذهن المتلقي إلى تسعة وتسعين بالمائة (99%).
ليس لأن العدد ازداد، بل لأن جودة الحضور غلبت الكم الحقيقي. وهنا يبدأ الأخطر: كل فرد من الأغلبية السليمة يمكن أن يعتقد أنه هو وحده الذي بقي خارج «النمط الجديد». يبدأ عقله الباطني بإقناعه بأن المجتمع يتحرك في اتجاه آخر، وأنه إذا بقي مكانه فسيتخلف عن الركب.
لن يسأل أولًا: هل هذا المجتمع الذي أشاهده حقيقي أصلًا؟ بل سيفكر: لا أريد أن أبقى وحدي. وهنا تتحرك غريزة الاجتماع والانتماء والخوف من العزلة، فتتحول الأغلبية الحقيقية إلى مجموعة من الأفراد، كل واحد منهم يعتقد أنه أقلية، بينما الأقلية الحقيقية تظهر وكأنها المجتمع كله.
قد لا يكون المجتمع قد فسد أصلًا، لكن مجرد فرض سؤال «هل فسد المجتمع؟» بصورة يومية ومتكررة قد يكون الباب الأول. ثم تأتي المراحل تباعًا: المناقشة، ثم الاعتياد، ثم قبول الوجود، ثم التعايش، ثم المطالبة بالتنظيم، ثم صياغة القوانين، ثم تحولها إلى عرف، ثم ربما إلى شيء يُمنع حتى الاعتراض عليه. وهكذا يمكن، بمرور الزمن، أن يتحول الشاذ إلى أصل، والأصل إلى حالة مختلفة يُنظر إليها باعتبارها عائقًا أمام المجتمع الجديد.
والميكانيزم نفسه نجده في قصر العدالة ومركز الأمن. لنأخذ مثال القضاة. في تونس آلاف القضاة. افترض، فقط لتوضيح الفكرة، أن لدينا ثلاثة آلاف (3000) قاض، وأن ثلاثين (30) منهم فقط فسدوا. ثلاثون (30) من ثلاثة آلاف (3000) تعني واحدًا بالمائة (1%). لكن ماذا يحدث إذا سلطنا الضوء كل يوم على الثلاثين (30)؟
ماذا لو أصبحت أخبار الرشوة والتجاوزات والقضايا المتعلقة بهم هي الصورة الوحيدة التي يشاهدها المواطن عن القضاء، بينما لا يظهر القضاة الآخرون الذين يدخلون مكاتبهم كل صباح ويطبقون القانون ويعودون إلى منازلهم دون ضجيج؟
بعد مدة، لن يعتقد المواطن فقط أن القضاء كله فاسد، بل قد يبدأ حتى القاضي الشريف نفسه في الاعتقاد بأنه الاستثناء. وهنا ينتقل من الاندفاع للدفاع عن العدل إلى محاولة حماية نفسه، ثم يبدأ داخله سؤال آخر: هل أنا الوحيد الذي ما زلت أعمل بهذه الطريقة؟ ثم قد تتكون لديه قناعة خطيرة بأن التمسك بالسلوك السليم سيجعله عبئًا داخل مؤسسة تغيرت قواعدها.
وبنفس الآلية يمكن النظر إلى الضابط والعون الأمني. هل تظنون أن الأمني بطبيعته فاسد؟ سيكون تبسيطًا شديدًا للواقع أن نسلم بذلك. وأطرح هنا سؤالًا آخر: من يحمي سمعة رجل الأمن الشريف وكرامته وهي تُستنزف كل يوم؟ وما الذي يحدث بالضبط؟
الغالبية الساحقة من الأمنيين، إذا نظرت إلى أصولهم الاجتماعية، ستجد أنهم أبناء عائلات عادية وبسيطة ومحافظة، دخلوا المؤسسة الأمنية كما يدخل غيرهم إلى الوظيفة العمومية، وتربى منذ صغره على أن الرشوة حرام، وأن الظلم حرام، وأن أكل حقوق الناس من أبشع ما قد يحمله الإنسان. لكن حين يُقدم للأمني كل يوم نموذج زميل يأخذ رشوة، يبدأ في الاعتقاد بأن الجميع يفعل ذلك. ثم يُقدم له نموذج آخر يعتدي على مواطن دون حق، ثم ثالث يتجاوز القانون، ثم رابع يستغل صفته.
والمفارقة أن هذه الصفات قد تكون موزعة على أفراد قليلين جدًا مختلفين، لكن العقل يجمعها تدريجيًا في صورة واحدة، ثم يُسقطها على النموذج السائد. وهكذا يجتمع في ذهن الفرد ما كان متفرقًا في الواقع، فيصبح السلوك الذي كان يرفضه بالأمس شيئًا يعتقد اليوم أنه منتشر، وبعد ذلك يتحول من سلوك مرفوض إلى واقع يجب التأقلم معه.
والأمر نفسه يمكن أن يبدأ داخل الإدارة العمومية مع الرشوة. قد يدخل الموظف إلى الإدارة وهو مقتنع بأن أخذ دينار واحد مقابل خدمة هي أصلًا من واجبه جريمة وعيب وحرام. ثم يسمع عن زميل أخذ مبلغًا صغيرًا، وعن آخر «سهّل» ملفًا مقابل هدية، وعن ثالث قبل خدمة شخصية، وعن رابع صار الناس يقصدونه لأن الأمور تمشي عنده أسرع. وكل مرة يُقدَّم له ذلك باعتباره أمرًا عاديًا: الناس الكل تعمل هكّا، المرتب ما يكفيش، ما ظلمنا حد، هو عطاني وحده، مجرد قهوة، هذه هدية وليست رشوة. تبدأ الكلمة تتغير قبل أن يتغير الفعل؛ من رشوة إلى هدية، ومن فساد إلى تسهيل، ومن جريمة إلى عرف إداري. ثم يقتنع الموظف النزيه تدريجيًا أنه هو الغريب داخل الإدارة، وأن رفضه هو السلوك الشاذ، لا قبول المال. وهكذا تجد الرشوة مكانها لا لأنها أصبحت فجأة مقبولة، بل لأنها قُدمت بالتدرج، وبنفس التبريرات، حتى تحولت في ذهن البعض من محرّم وممنوع إلى واقع لا يمكن مقاومته.
وهنا يبدأ التطبيع. لكن من الذي يقدم هذه النماذج بهذه الصورة؟ في جزء كبير من الأحيان هو المجتمع نفسه؛ الإعلام، ومواقع التواصل، والمواطن الذي يصور وينشر ويشارك ويعيد النشر، ثم يعود المجتمع ذاته ليتباكى على انهيار الصورة التي ساهم في صناعة انهيارها.
بهذه الطريقة يمكن لفئة محدودة جدًا أن تفرض حضورها على المشهد كله. ليس لأنها أصبحت أغلبية، بل لأنها عرفت كيف تعرض نفسها، وكيف تضخم حضورها، وكيف تجعل الآخرين يعتقدون أنهم هم المختلفون.
فالقاضي الشريف يبدأ يشك في أنه بقي وحده. والأمني الشريف يبدأ يعتقد أن بقية زملائه تغيروا. والتلميذ المنضبط يعتقد أن الانضباط أصبح حالة قديمة. والأب يعتقد أن كل الأسر تغيرت إلا أسرته. والمدير يظن أن النزاهة أصبحت سذاجة. وكل واحد يخون قناعته الأصلية قليلًا حتى يلحق بأغلبية متخيلة لم تكن موجودة أصلًا.
القضاة والأمنيون والمديرون والأعوان والتلاميذ والأولياء والمجتمع في عمومه قد تكون أغلبيتهم الساحقة سليمة. لكن بدل أن تسأل فقط: كم عدد المنحرفين؟ اسأل أيضًا: من ينفخ في حضورهم؟ ولماذا؟ ومن المستفيد من تحويل الاستثناء إلى صورة عامة؟
وهنا تأتي المرحلة الأخطر. بعد أن يُجلد رجل الأمن الشريف إعلاميًا، وتُستنزف صورته وكرامته كل يوم بسبب أفعال أقلية، يظهر واحد من تلك الأقلية نفسها ويركب موجة الغضب داخل المؤسسة. يقول: يجب حماية الأمني من التشهير، ثم: يجب منع تصوير الأمني، ثم: يجب سن قوانين تحمي هيبة المؤسسة.
وهنا تحدث المفارقة. قد يكون الأمني الشريف فعلًا محتاجًا إلى الحماية من التشهير الكاذب والإهانة والاعتداء، لكن الشخص الذي يدفع باتجاه القانون قد لا يكون هدفه حماية ذلك الأمني أصلًا. قد يريد حماية نفسه من أن يُصوَّر وهو يتجاوز القانون، وقد يريد منع مناقشة فساده تحت عنوان حماية المؤسسة.
وهكذا يصبح الشريف غطاءً للفاسد. والمجتمع الذي جرى توجيهه طوال المرحلة السابقة، والذي أصبح مقتنعًا بأن رجال الأمن يتعرضون لحملة عامة، يصفق ويقول: نعم، يجب حماية أمننا.
ثم يأتي القانون. قانون يبدو في ظاهره أنه يحمي الأغلبية الشريفة، لكنه إذا صيغ بطريقة معينة يمكن أن يتحول في التطبيق إلى حماية للأقلية الفاسدة من الرقابة والمحاسبة. وهذه ربما أكثر مراحل العملية خبثًا: أن يصبح الفاسد هو أكثر من يطالب بحماية الشريف، لا حبًا فيه، بل لأنه يريد أن يحتمي خلفه.
والمفارقة أن المجتمع الذي صنع موجة التشهير أولًا قد يكون هو المجتمع نفسه الذي يطالب بعد ذلك بالقانون الذي يقيّد قدرته على كشف التجاوزات.
من هنا أصل إلى الفكرة الأساسية: القوانين لا تبدأ دائمًا في البرلمان. أحيانًا تبدأ في شاشة. تبدأ بصورة. ثم تتحول الصورة إلى موضوع. ثم يصبح الموضوع قضية رأي عام. ثم تتحول القضية إلى مطلب. ثم يتحول المطلب إلى مشروع قانون. ثم يأتي البرلمان ليصادق.
يمكن تلخيص المسار في خمس مراحل: العرض كظاهرة وهمية سائدة، ثم فرض النقاش، ثم الاعتياد والتطبيع، ثم التقنين، ثم التقديس.
وهكذا، حينما يشرّع الإعلام القوانين، يأتي البرلمان ليصادق عليها، ويأتي القاضي ليطبقها، ويأتي الأمني لينفذها، ويأتي المواطن في النهاية ليدفع ثمنها.
قد لا تحتاج إلى إفساد أحد عشر مليون 11 مليون تونسي، ولن تستطيع.. لكنك نجحت في صناعة نموذج وهمي حتى تصنع مجتمعًا فاسدًا. قد يكفي أن تقنع او توهم كل واحد منهم بأن الآخرين قد فسدوا قبله. عندها يبدأ الفرد بالتنازل عن نفسه شيئًا فشيئًا، لا لأنه أراد الفساد ابتداءً، بل لأنه خاف أن يبقى وحده خارج وهم أغلبية لم تكن موجودة أصلًا.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن نخسره ليس القانون، ولا المؤسسة، ولا حتى الصورة العامة للمجتمع. الأخطر هو أن يفقد الفرد ثقته بأن الخير الذي فيه ما زال موجودًا في غيره.
فحين يُوهم كل شريف أنه آخر الشرفاء… تبدأ صناعة المجتمع الذي نخشاه.