اتحاد الشغل بين 17ديسمبر 14 جانفي و17 أكتوبر 2026… هل يتغير الاتحاد بتغيّر من يقوده؟

هل تحركة المصلحة الوطنية ام تحسين شروط التفاوض لمكاسب شخصية..

لم يكن الاتحاد العام التونسي للشغل يومًا مجرد منظمة مطلبية تدافع عن الأجور والحقوق المهنية، بل ظل قوة اجتماعية وسياسية مؤثرة في موازين الحكم والتحولات الوطنية. ومن يتأمل تاريخه، خصوصًا خلال الفترة الممتدة من 17 ديسمبر 2010 إلى 14 جانفي 2011، يدرك أن مواقف المنظمة لم تكن دائمًا موحدة؛ فقد سبقت القواعد النقابية والاتحادات الجهوية قيادتها المركزية في مساندة الاحتجاجات، بينما اتسم موقف هذه الأخيرة بالحذر قبل أن تنخرط في الإضرابات والتحركات التي سبقت سقوط نظام بن علي.

لكن مرحلة ما بعد الثورة كشفت وجهًا أكثر تعقيدًا لدور الاتحاد، بعدما أصبح طرفًا مؤثرًا في الصراعات السياسية، وأثيرت تساؤلات جدية حول مدى استقلالية بعض قراراته عن الاستقطاب الحزبي والأيديولوجي، وإمكانية توظيف ثقله النقابي لترجيح كفة أطراف سياسية على حساب أخرى. ولعل الإضرابات المتتالية التي أرهقت حكومات ما بعد الثورة، وما صاحبها من ضغوط سياسية، تفرض مراجعة هادئة لمسألة جوهرية: متى يكون الإضراب دفاعًا مشروعًا عن حقوق العمال والمصلحة العامة، ومتى يتحول إلى أداة لتحقيق غايات سياسية تتجاوز المطالب المهنية؟ وقد تحدث الأمين العام الأسبق حسين العباسي عن توظيف الضغط النقابي، بما فيه الإضراب العام، لتحقيق مطالب سياسية خلال المرحلة الانتقالية، وهي مرحلة لا يجوز فصلها عن الاغتيالات والأزمات والاحتقان الذي عاشته البلاد.

ولا شك أن مشاركة الاتحاد في الرباعي الراعي للحوار الوطني، الحاصل على جائزة نوبل للسلام سنة 2015، تمثل اعترافًا دوليًا بدوره في تجاوز أزمة سياسية خطيرة. غير أن نوبل لا تمنح حصانة من النقد والمساءلة التاريخية، ولا تعني بالضرورة أن جميع مواقف المنظمة كانت محايدة، بقدر ما تكشف حجم ثقلها داخل المشهد السياسي التونسي. وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن تقييم أدوارها السابقة: إلى أي مدى تتأثر توجهات الاتحاد بشخصية أمينه العام، وبالقناعات السياسية لمن يتحملون مسؤولية قيادته؟

واليوم، بعد مظاهرة 17 أكتوبر 2026، يعود هذا السؤال بقوة مع الأمين العام صلاح الدين السالمي، صاحب المسيرة النقابية التي تعود إلى عهد بن علي، والذي تعرض للسجن والفصل من العمل بسبب نشاطه النقابي، وعُرف لاحقًا بمطالبته بالإصلاح والديمقراطية داخل المنظمة. فقد رفع الاتحاد في تحركه الأخير شعارات الدفاع عن الحريات واستقلال القضاء والحقوق الاجتماعية والسياسية، وهي مطالب لا يمكن التقليل من أهميتها. لكن يبقى التساؤل مشروعًا: هل نحن أمام عودة حقيقية إلى المبادئ الوطنية والاجتماعية، أم أمام محاولة لتحسين شروط التفاوض مع السلطة، خصوصًا في ظل الخلافات المتعلقة ببعض القيادات النقابية؟ ولا أرى بالضرورة تناقضًا بين الاحتمالين، غير أن المواقف القادمة وحدها ستكشف أيهما يتقدم على الآخر.

وفي المقابل، لا يمكن فصل هذا التحرك عما تشهده تونس من انقسامات عميقة داخل القوى السياسية، وتآكل قدرة بعض الأحزاب الكبرى على التعبئة والتأثير مقارنة بما كانت عليه في السابق. فقد أفرزت سنوات الصراع والاستقطاب حالة من التشتت وفقدان الثقة، وتركت فراغًا تنظيميًا واجتماعيًا يطرح معه سؤال الجهة القادرة على المساهمة في مواجهة الفساد والاستبداد والظلم وتغوّل السلطة، والتراجع الاقتصادي والاجتماعي والحقوقي الذي تعاني منه البلاد.

إن تونس اليوم تحتاج إلى مصالحة حقيقية بين القوى الوطنية المستقلة، تتجاوز الحسابات الحزبية والخصومات القديمة وتعيد الاعتبار للمصلحة العامة. لكن المصالحة وحدها لا تكفي في غياب جسم وطني متماسك، قادر على التنظيم والتعبئة وترجمة المطالب العامة إلى قضايا اجتماعية ومعيشية وحقوقية واضحة يستطيع المواطن أن يتبناها ويدافع عنها. فالشعب التونسي، في تقديري، لم تعد تحركه الشعارات السياسية المجردة بقدر ما تحركه القضايا التي تمس قدرته الشرائية وكرامته وحقه في العمل والعدالة الاجتماعية وحريته وحقوقه الأساسية. وهذه المطالب ليست منفصلة عن السياسة ولا يمكن ان يتبناها غير اتحاد الشغل، بل هو هي جوهرها الحقيقي حين تصبح السياسة داخل الاتحاد وسيلة لخدمة الإنسان لا مجرد صراع على السلطة.

ومن هنا، علينا نحن التونسيين الاعتراف بثقل الاتحاد العام التونسي للشغل داخل المشهد السياسي والاجتماعي والحقوقي، وبأنه يظل من أكثر الأجسام التنظيمية تماسكًا وقدرة على التعبئة في البلاد. فلا يمكن تجاهل منظمة بهذا الحجم أو إقصاؤها من المشهد الوطني بسبب زلات وإخفاقات ارتبطت بمراحل سابقة من تاريخها. فتلك الإخفاقات يمكن مراجعتها، ومحاسبة المسؤولين عنها، والبناء على ما تحقق من إصلاحات، دون تحويلها إلى حكم أبدي على المنظمة بكل هياكلها ومنخرطيها.

وليس من مصلحة القوى الوطنية والحقوقية أن تبقى حبيسة فترات كان فيها دور الاتحاد غامضًا أو متداخلًا مع الصراعات السياسية. فالمطلوب ليس محو الذاكرة أو تبرئة الماضي، وإنما التحرر من أعبائه دون التفريط في دروسه، ومساندة كل إصلاح حقيقي يعيد للمنظمة استقلالية قرارها ويحصنها من الاختراق والتوظيف السياسي. فإصلاح الاتحاد وإعادة هيكلته على أسس الديمقراطية والشفافية والمساءلة ليس شأنًا نقابيًا داخليًا فحسب، بل مسألة لها أثر مباشر في المصلحة الوطنية، مع ضرورة احترام استقلالية المنظمة وحق هياكلها ومنخرطيها في تقرير مسارها.

وهنا يعود السؤال المتعلق بصلاح الدين السالمي: هل يستطيع تجاوز الإرث المثير للجدل لبعض القيادات السابقة، واستعادة ثقة التونسيين الذين ارتبطت في ذاكرتهم مراحل من تاريخ الاتحاد بالاستقطاب السياسي والصراعات التي أضعفت المسار الديمقراطي؟ وهل يمكنه إعادة المنظمة إلى دورها كقوة وطنية واجتماعية مستقلة، تساند الشعب في قضاياه الاجتماعية والحقوقية والسياسية، دون أن تصبح أداة بيد السلطة أو خصومها؟

إن الاتحاد لا يحتاج إلى التخلي عن دوره السياسي، بقدر ما يحتاج إلى ضبط هذا الدور بمعيار ثابت: الانحياز إلى الحقوق والمصلحة العامة، لا إلى الأشخاص والحكومات والأحزاب. ولذلك فإن المعيار الحقيقي لمدى تغيره لن يكون حجم مظاهرة 17 أكتوبر ولا قوة الشعارات المرفوعة خلالها، وإنما ما سيحدث إذا استجابت السلطة للمطالب النقابية أو سُويت الخلافات المتعلقة بقياداته: هل سيواصل الاتحاد الدفاع عن استقلال القضاء والحريات وحقوق المواطنين بالقوة نفسها، أم ستتراجع تلك المطالب بانتهاء الخلافات المباشرة؟

فالاتحاد الذي يملك القدرة على التأثير في الحكومات، عليه أن يمتلك قبل ذلك القدرة على حماية استقلالية قراره من كل توظيف سياسي. وإذا كانت تونس اليوم بحاجة إلى قوى وطنية متماسكة قادرة على الدفاع عن مصالح الشعب، فإنها تحتاج بالقدر نفسه إلى ضمان ألا تتحول هذه القوة إلى وسيلة جديدة للصراع على السلطة بدل إصلاح الدولة وخدمة المجتمع.

ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه المرحلة القادمة:

فهل يتغير الاتحاد مع صلاح الدين السالمي، أم أن السالمي سيتغير تحت تأثير منظومة الاتحاد وصراعاته؟

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات