المسكوت عنه... شبكات ناعمة للاتجار بالبشر

هل نحن أمام فن صناعة المحتوى أم أمام جريمة منظمة؟

أعادت وفاة الشاب التونسي يسري الرمضاني إلى ذهني ظاهرة اجتماعية واقتصادية وقانونية خطيرة، لم تنل بعد ما تستحقه من البحث والتحقيق، وهي ظاهرة صناعة المشاهير على منصات التواصل الاجتماعي، وخاصة تيك توك وإنستغرام. ولست هنا بصدد الحكم على طبيعة المحتوى الذي كان يقدمه المرحوم، ولا الجزم بأنه كان ضحية شبكة استغلال، وإنما أطرح سؤالًا يتجاوز شخصه إلى ظاهرة أوسع: هل كل من يظهر أمام الكاميرا ويحقق آلاف المشاهدات يتحرك فعلًا بإرادته الحرة، أم أن بعض هؤلاء ليسوا سوى واجهات بشرية لمشاريع تجارية يديرها آخرون من خلف الستار؟

ما نلاحظه أن بعض الأشخاص يتحولون فجأة من أفراد عاديين إلى مشاهير، رغم افتقار بعضهم إلى الخبرة أو الثقافة القانونية أو القدرة الكافية على تقدير العواقب الاجتماعية لما ينشرونه. وقد يبدأ الأمر بفيديو عفوي ينشره شخص دون تخطيط، فيحقق انتشارًا واسعًا، فيلتقطه من يجيد دراسة الشخصيات واستغلال نقاط ضعفها. وقد لا يكون الفيديو الأول عفويًا أصلًا، بل نتيجة تشجيع متعمد من شخص سبق أن درس طبيعة المستهدف، وعرف حاجته إلى المال أو رغبته في الشهرة أو ميله إلى تصديق المديح.

ومن هنا قد تبدأ عملية يمكن وصفها باصطياد الضحية. يتقرب منه شخص يعرض عليه إدارة حساباته، ثم يعده بالشهرة والأموال، ويشجعه على تكرار التصرفات التي جذبت الجمهور. وبعد ذلك قد تُنشأ حوله حسابات وصفحات متعددة، وتُدفع المشاهدات والتعليقات والتفاعلات نحو المحتوى الأكثر إثارة، حتى يصبح الشخص مقتنعًا بأن قيمته تكمن في قدرته على إضحاك الناس أو إثارة الجدل، مهما كان الثمن الذي سيدفعه من كرامته وسمعته ومستقبله.

والأخطر أن المستهدف قد لا يدرك أنه أصبح جزءًا من منظومة اقتصادية أكبر منه. فقد يتحصل على مبالغ بسيطة أو هدايا أو بعض الشهرة المحلية، بينما تتدفق العائدات الحقيقية إلى من يدير الحسابات ويتحكم في الإعلانات والهدايا الرقمية والعلاقات التجارية. وإذا ثبت وجود هذا النموذج، فإننا لا نكون أمام شخص ينشر التفاهة بمحض إرادته فحسب، وإنما أمام احتمال وجود من يصنع التفاهة ويتاجر بها مستعملًا الإنسان نفسه مادة خامًا لتحقيق الأرباح.

ولنتأمل المسألة من زاوية أخرى. كيف يتم استقطاب بعض الشباب إلى الجماعات المتطرفة؟ قد يبدأ الأمر بدراسة شخصية المستهدف، ثم تحديد حاجته النفسية أو الاجتماعية، وإقناعه بأنه صاحب رسالة أو مدافع عن مظلوم، قبل توجيهه تدريجيًا نحو أفكار وأفعال لم يكن ليتصورها في البداية. وبالمنطق نفسه يمكن أن يستغل آخرون حاجة شخص إلى المال أو الاعتراف الاجتماعي لدفعه نحو محتوى لم يكن ليمارسه دون ذلك التوجيه. لا يعني هذا أن صناعة المحتوى تعادل الإرهاب، وإنما أن الاستقطاب المنظم واستغلال مواطن الضعف قد يستعملان آليات نفسية متشابهة رغم الاختلاف الجذري بين طبيعة الأفعال والجرائم.

وقد يقول البعض إن الشخص بالغ وراشد، وإنه اختار بنفسه الظهور أمام الكاميرا، فلماذا نعتبره ضحية؟ وهنا ينبغي التوقف عند مفهوم الرضا والإرادة الحرة في القانون. فبلوغ سن الرشد لا يعني أن الإنسان محصن من الخداع أو الاستغلال، ولا أن موافقته الظاهرية تكفي دائمًا لنفي وقوع جريمة بحقه. فقد يكون الشخص بالغًا لكنه يعاني حاجة مادية شديدة، أو محدودية في القدرة على التمييز، أو تبعية نفسية أو مالية تجعله يعتقد أنه لا يستطيع رفض ما يُطلب منه.

وليس هذا مجرد تحليل أخلاقي. فالقانون الأساسي التونسي عدد 61 لسنة 2016 المتعلق بمنع الاتجار بالأشخاص ومكافحته يدرج ضمن وسائل الجريمة الاحتيال والخداع واستغلال حالة الاستضعاف، ويشمل تعريفه صورًا متعددة من الاستغلال. كما أن المعايير الدولية لمكافحة الاتجار بالبشر تقر بأن موافقة الشخص البالغ لا تنفي الجريمة إذا ثبت استعمال الوسائل غير المشروعة المقررة قانونًا بقصد استغلاله. لكن ذلك لا يعني أن كل علاقة تجارية غير عادلة، أو كل محتوى مبتذل، يشكل تلقائيًا اتجارًا بالبشر؛ فلا بد من إثبات أركان الجريمة في كل حالة على حدة.

ولنا في جرائم استغلال البغاء والعمل القسري أمثلة واضحة على أن الضحية قد تدخل العلاقة في بدايتها وهي تعتقد أنها اختارت طريقها بحرية، قبل أن تجد نفسها خاضعة لأشخاص يتحكمون في مواردها وحركتها وقدرتها على الانسحاب. وكذلك الأمر في بعض حالات تهريب المهاجرين غير النظاميين؛ إذ قد يبدأ المهاجر رحلته بإرادته، لكن المهربين يستغلون حاجته إلى العبور لتحقيق الأرباح، وقد يعرضونه لأخطار جسيمة ثم يتخلون عنه. ورغم أن تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر جريمتان مختلفتان قانونيًا، فإنهما قد تتداخلان عندما يتحول التهريب إلى وسيلة لاستغلال الإنسان والسيطرة عليه.

وفي مجال الاستقطاب الإرهابي، قد تستعمل شبكات التجنيد الوعود والانتماء العاطفي والخطاب الديني أو القومي لتوجيه أشخاص بالغين نحو الجماعات المسلحة. ولا تتحول كل حالة تجنيد إرهابي تلقائيًا إلى اتجار بالبشر، لكن المثال يوضح أن بلوغ الشخص وقدرته على حمل السلاح لا يمنعان احتمال تعرضه للخداع أو الاستغلال، كما لا يعفيانه بالضرورة من مسؤوليته عن الجرائم التي يرتكبها.

وهنا تعود بنا المسألة إلى منصات التواصل الاجتماعي. فالاختلاف في الوسائل لا ينبغي أن يحجب احتمال التشابه في منطق الاستغلال. فبدل استغلال جسد الإنسان في العمل القسري أو الاستغلال الجنسي، قد يجري استغلال صورته وصوته وعفويته وحاجته إلى الاعتراف الاجتماعي، وتحويل كل ذلك إلى مصدر دخل لآخرين. وقد يكون الشخص نفسه آخر من يعرف القيمة المالية الحقيقية لما ينتجه، أو حجم الحسابات التي تتربح من ظهوره.

ولعل ظاهرة شوشع الجزائري تطرح نموذجًا يستحق التأمل في العلاقة بين الشهرة والعفوية وصناعة المشهد الجماهيري. فقد أصبح معروفًا عبر مقاطع كرة القدم التي تحولت إلى عروض يتابعها جمهور واسع، بمشاركة أشخاص ومنظمين وجماهير يساهمون في صناعة المشهد. ولا يعني ذلك اتهام القائمين على تجربته بالاستغلال أو الاتجار بالبشر، لكنه يدعونا إلى التساؤل عن الحدود الفاصلة بين الترفيه المشروع، والمساندة الإنسانية، وتحويل عفوية شخص أو اختلاف قدراته إلى وسيلة لجذب المشاهدات وتحقيق المكاسب. فالعبرة ليست بما يضحك الجمهور، وإنما بمدى فهم صاحب الظهور لما يجري حوله، وحريته في الاختيار، وعدالة نصيبه من المنافع.

بل إن هذه التساؤلات لا تتعلق فقط بأصحاب التعليم المحدود أو بمن تظهر عليهم بساطة واضحة. فقد يكون بعض المشاهير الذين نعتقد أنهم يديرون محتواهم بإرادة مستقلة مرتبطين بشبكات معقدة من المصالح والعقود والإدارة والتسويق. يدخل الشخص هذه المنظومة في البداية بحثًا عن بعض المال أو الشهرة أو المدح، ثم تتوسع التزاماته وعلاقاته، وقد يجد نفسه لاحقًا عاجزًا عن التراجع دون خسائر مالية أو اجتماعية أو تهديدات أو ضغوط، إذا ثبت وجود مثل هذه الممارسات.

ولنا في تونس أمثلة عديدة تثير حولها هذه التساؤلات، نتحفظ عن ذكر أصحابها احترامًا لحياتهم الخاصة وحمايةً لمعطياتهم الشخصية، وحتى لا نتحول نحن أيضًا إلى طرف في استغلالهم والتشهير بهم. لكن من بحث جديًا في آليات صناعة الشهرة الرقمية يدرك أن الأمر قد يكون أعقد بكثير مما يراه المشاهد أمام شاشة هاتفه. فليس كل ضحك عفويًا، ولا كل تصرف مثير للجدل وليد اللحظة، ولا كل مشهور سيد نفسه. قد تكون وراء المشهد حسابات تُدار، وأرباح تُوزع، وتعليمات تُعطى، وضغوط تُمارس، بينما يُترك الشخص الظاهر أمام الكاميرا وحيدًا لمواجهة السخرية والفضائح والملاحقات القضائية. والأخطر أن المجتمع قد يشارك في استغلاله دون أن يدرك، حين يحوّل ضعف الإنسان أو بساطته إلى مادة للضحك والتداول، ثم ينقلب عليه عند أول فضيحة، متجاهلًا احتمال وجود من دفعه إليها واستفاد منها.

وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة: هل نحن أمام مجتمع يحارب الاستغلال، أم أمام جمهور يموله بالمشاهدات، ومنصات تجني عائداته، وشبكات محتملة تديره من الخلف، وسلطة لا ترى إلا الشخص الذي يظهر أمام الكاميرا؟ إن السكوت عن البحث في هذه الاحتمالات لا يحمي الضحايا، بل قد يحمي المستفيدين الحقيقيين، ويترك الحلقة الأضعف تدفع وحدها ثمن تجارة لم تكن بالضرورة صاحبة القرار فيها. فأخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نحاسب الإنسان على المشهد الذي ظهر فيه، دون أن نسأل من كتب له الدور، ومن أخرجه، ومن قبض ثمنه.

والأخطر من ذلك أن التعامل القضائي مع جرائم المحتوى الرقمي يبدو في كثير من الحالات منصبًّا على الشخص الظاهر أمام الكاميرا؛ فهو الذي يُلاحق بسبب تصريحاته وتصرفاته، وهو الذي يتحمل المسؤولية القانونية والاجتماعية، بينما قد يظل من يقف خلف الكاميرا بعيدًا عن البحث والمساءلة. فالقانون التونسي يملك بالفعل نصوصًا تجرّم الاتجار بالأشخاص والمشاركة في الجرائم، لكن الإشكال يكمن في مدى قدرة أجهزة البحث والقضاء على كشف شبكات الاستغلال الرقمي وإثبات أدوارها. وإلى متى سيظل تطبيق القانون قاصرًا عن استيعاب هذه التجارة الحديثة بالبشر، إن ثبت وجودها، وعن ملاحقة من يصطاد الضحايا ويدير الحسابات ويتحكم في أرباحها، بدل الاكتفاء بمن يظهر على الشاشة؟ إن المطلوب ليس تجريم إدارة الحسابات في حد ذاتها، فهي نشاط مشروع، وإنما تجريم استغلال الإنسان من خلالها ومحاسبة كل من يثبت تورطه، مهما كان موقعه داخل الشبكة. فالعدالة التي لا ترى إلا الوجه الظاهر أمام الكاميرا، ولا تبحث عن العقل الذي قد يستغله من خلفها، تخاطر بمعاقبة الحلقة الأضعف وترك المستفيد الحقيقي بعيدًا عن المساءلة.

ولا يجوز أن نستنتج من ذلك أن كل مشهور ضحية، أو أن كل مدير حسابات متاجر بالبشر. فهناك صناعة محتوى مشروعة تقوم على اتفاقات واضحة وإرادة حرة وتقاسم معلوم للعوائد. لكن عندما تظهر مؤشرات على استقطاب أشخاص باستعمال الخداع أو استغلال الاستضعاف أو الإكراه لتحقيق أغراض استغلالية، فإن المسألة تستوجب البحث في شبهة الاتجار بالأشخاص، إلى جانب الجرائم الاقتصادية والرقمية الأخرى التي قد تثبتها التحقيقات.

إن حداثة هذه الظاهرة الرقمية تجعلها في حاجة إلى مزيد من الدراسة والرقابة. فقد اعتدنا الحديث عن تجار المخدرات ومهربي البشر وشبكات الاستغلال الجنسي والتجنيد الإرهابي، لكننا لم نمنح القدر نفسه من الاهتمام لاحتمال نشوء شبكات تستثمر في الأشخاص أنفسهم عبر المنصات الرقمية. وإذا ثبت وجود شبكات منظمة لهذا الغرض، فإنها تستحق المعالجة القانونية الجدية، لا الاكتفاء باعتبار ما يحدث مجرد تفاهة أو انحطاط في الذوق العام.

ومن هنا ينبغي أن يتجاوز البحث مجرد متابعة ما ينشره صاحب الحساب، إلى معرفة من أنشأ الحساب ومن يديره، ومن يتحكم في بيانات الدخول، ومن يختار المحتوى ويمول الترويج، ومن يتلقى الأموال والهدايا الرقمية، وما إذا كان صاحب الظهور يعرف حقيقة العائدات ويتقاضى نصيبه منها بحرية، وهل يستطيع الانسحاب من العلاقة دون تعرضه لضغوط أو تهديدات.

أما بخصوص المرحوم يسري الرمضاني، فإن احترام ذكراه يقتضي ألا ننسب إليه ضعفًا في قدراته أو وقوعه ضحية شبكة استغلال دون أدلة، كما لا يجوز اتهام أشخاص مجهولين بأنهم كانوا يستغلونه لمجرد طبيعة المحتوى الذي اشتهر به. لكن الحديث عن حالته أعاد طرح سؤال يستحق النقاش العام، وهو سؤال يتعلق بنموذج اقتصادي قد يخفي وراء بعض الواجهات البشرية علاقات استغلال لا يراها الجمهور.

ولا يتعلق الأمر بالدفاع عن التفاهة أو تبرير كل ما يُنشر على الإنترنت، وإنما بالدفاع عن ضرورة التمييز بين من يصنع الفعل بحرية ووعي، ومن قد يُدفع إليه بالخداع واستغلال ضعفه، وبين من يظهر أمام الكاميرا ومن يتربح من وراء ظهوره. كما أن حماية الضحية المحتملة لا تعني إعفاءها تلقائيًا من أي مسؤولية قانونية مستقلة قد تثبت في حقها.

إننا بحاجة إلى النظر إلى صناعة المحتوى باعتبارها نشاطًا اقتصاديًا واجتماعيًا قد تكون له أبعاد جنائية إذا قامت أدلة الاستغلال، لا مجرد مقاطع للضحك والتسلية. فقد يتغير شكل التجارة، لكن منطق استغلال الإنسان لتحقيق الربح يبقى واحدًا، سواء اتخذ صورة عمل قسري أو استغلال جنسي أو علاقة رقمية تقوم على الخداع والسيطرة والتربح.

فليس كل من يظهر أمام الكاميرا هو صاحب المشروع، وليس كل مشهور مستفيدًا من شهرته. وقد يكون الإنسان هو السلعة، بينما يظل التاجر الحقيقي بعيدًا عن الأضواء. والسؤال الذي يجب أن نطرحه ليس فقط ماذا قال صاحب المحتوى أو ماذا فعل، بل من دفعه إلى ذلك، ومن يدير ظهوره، ومن يجني الأرباح، ومن يتحمل العواقب؟

رحم الله يسري الرمضاني، وليكن الحديث عن حالته مناسبة لفتح هذا النقاش: هل نحن دائمًا أمام فن صناعة المحتوى، أم أن بعض ما نراه قد يخفي جرائم اتجار بالبشر لم نتعلم بعد كيف نكشفها؟

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات