إصدار الصكوك السيادية في تونس: هل نحن أمام كومسيون مالي جديد أم اكتتاب استثماري؟

هل هي أداة لخلق الثروة أم وسيلة لتمويل الاستهلاك وتأجيل سقوط النظام على حساب بقاء الدولة؟

حين يعجز رئيس مؤسسة عن تطوير نشاطها وتحسين مواردها، ثم يلجأ إلى الاقتراض لتغطية عجزه، قد يبدو أمام العاملين فيها ناجحًا في توفير الأموال وضمان استمرار المؤسسة. غير أن الحقيقة قد تكون مختلفة تمامًا؛ فهو لم يخلق ثروة، ولم يعالج أسباب الفشل، وإنما استدان باسم مؤسسة لا باسمه الشخصي، واستعمل ذمتها المالية لإظهار نجاح قد لا يكون له وجود إلا في حساباتها البنكية. وحين يغادر منصبه، لن ترحل معه الديون، بل ستبقى المؤسسة ومن يأتي بعده مطالبين بسدادها. ولسان حاله ما يختصره المثل الشعبي التونسي: “خرجت منك يا بطن أمي، وكان رغبتي جيبي حتى تمساح“.

هذا المثال يختصر أحد أخطر أوجه الخلل في إدارة المال العام: أن تتحول المديونية من وسيلة لخلق الثروة إلى وسيلة لإخفاء العجز، وأن يصبح توفير الأموال المقترضة إنجازًا يُنسب إلى المسؤول، بينما تُرحّل كلفة ذلك الإنجاز إلى المؤسسة ومستقبلها. وهو ما يدفعنا إلى التساؤل عن جدوى توجه تونس نحو إصدار صكوك سيادية بقيمة ثلاثة مليارات دولار، بالتوازي مع الحديث عن تمويل مباشر من البنك المركزي بنحو عشرة مليارات دينار. فهل نحن أمام مشروع اقتصادي منتج، أم وسيلة جديدة لتمويل الاستهلاك وتأجيل مواجهة الأزمة؟

الصكوك السيادية، التي نظمها القانون التونسي عدد 30 لسنة 2013، ليست هبات ولا مساعدات، وإنما أدوات تمويل قابلة للتداول تقوم على حقوق مرتبطة بأصول أو منافع أو أنشطة اقتصادية. فقد تحتفظ الدولة بملكية مؤسسة أو عقار وتمنح حقوق الانتفاع به، أو تنقل ملكية أصول قابلة للتفويت وفق القانون، أو ترتب حقوقًا مالية مرتبطة بعائدات أنشطة معينة. وقد لا يعني إصدار الصكوك تلقائيًا بيع الممتلكات العمومية أو رهنها، لكنه يفرض معرفة طبيعة الحقوق التي سيكتسبها المستثمرون، والضمانات المقدمة لهم، وما قد يحدث إذا عجزت الدولة عن الوفاء بالتزاماتها.

وتزداد المخاطر عندما يتعلق الأمر بهوية المستثمرين. فهل سيقتصر الاكتتاب على التونسيين، أم سيفتح أمام الحكومات الأجنبية والصناديق السيادية؟ ولنفترض أن صندوقًا سياديًا جزائريًا أو فرنسيًا اشترى نسبة مهمة من صكوك مرتبطة بمنافع أصول تونسية. صحيح أن ذلك لا يمنحه تلقائيًا ملكية المؤسسة أو سلطة إدارتها، لكنه قد يمنحه حقوقًا مالية وتعاقدية تتحول عند التعثر إلى أدوات ضغط تفاوضي. والأخطر أن الصكوك القابلة للتداول قد تنتقل لاحقًا إلى مستثمرين آخرين، بما يجعل معرفة المشتري الأول غير كافية لضمان معرفة الأطراف التي ستصبح صاحبة حقوق في المستقبل.

ولنأخذ مثالًا افتراضيًا يتعلق بالشركة التونسية للكهرباء والغاز. ماذا لو أصدرت الدولة صكوكًا بقيمة 400 مليون دولار مقابل تخصيص 50% من إيرادات محددة للمستثمر لمدة خمس عشرة سنة؟ إذا تراجعت الإيرادات بسبب توسع استعمال الطاقة الشمسية أو لأي سبب آخر، ولم يسترجع المستثمر إلا 200 مليون دولار، فهل يتحمل خسارة البقية، أم يطالب الدولة بتعويضها وفق ضمانات العقد؟ وفي المقابل، إذا ارتفعت الإيرادات وتحصل على مليار دولار، فهل يحتفظ بها كاملة أم يخضع لسقف محدد؟ الإجابة تتوقف على طبيعة الصكوك وشروطها. لكن الأخطر هو أن إيرادات المؤسسة ليست أرباحًا صافية، بل تشمل الأموال اللازمة للأجور والتشغيل والصيانة والتطوير. وتخصيص نسبة من الإيرادات الخام دون حماية هذه الالتزامات قد يؤدي إلى إنهاك المؤسسة حتى وإن ارتفع رقم معاملاتها. وهذا المثال لا يعني أن الشركة معنية فعلًا بالإصدار المرتقب، وإنما يوضح أهمية معرفة ما ستقدمه الدولة مقابل الأموال التي ستتحصل عليها.

وهنا تعود إلى الذاكرة تجربة الكومسيون المالي الدولي الذي فُرض على تونس سنة 1869، حين ساهم تراكم الديون في إخضاع جزء من ماليتها للرقابة الأجنبية وتخصيص موارد عمومية لخدمة الدائنين. ولا يعني إصدار الصكوك اليوم أننا أمام عودة حتمية إلى تلك التجربة، فالأدوات القانونية والظروف التاريخية مختلفة، لكن التشابه المحتمل يكمن في النتائج؛ فعندما تصبح موارد الدولة المستقبلية مرتبطة بالتزامات طويلة الأمد، ويصبح الحصول على تمويل جديد رهين رضا الدائنين، فإن استقلال القرار المالي قد يتقلص تدريجيًا دون الحاجة إلى لجنة أجنبية تدير الخزينة بشكل مباشر. فالسيادة لا تقاس فقط ببقاء العلم فوق المؤسسات، وإنما بقدرة الدولة على التصرف في مواردها واتخاذ قراراتها بحرية.

وتضاف إلى ذلك مخاطر العملة الصعبة. فإذا صدرت الصكوك بالدولار أو اليورو، فإن سداد عوائدها ومستحقاتها يتطلب توفير تلك العملات. وحتى إذا صدرت بالدينار، فقد يتمتع المستثمر غير المقيم، سواء كان أجنبيًا أو تونسيًا بالخارج، بحق تحويل مستحقاته وفق شروط الصرف والإصدار. ولنفترض إصدار ثلاثة مليارات دولار بعائد سنوي قدره 7% لمدة عشر سنوات، مع استرداد رأس المال عند النهاية؛ عندها تبلغ العوائد 2.1 مليار دولار، ويصل مجموع المدفوعات الافتراضية إلى 5.1 مليار دولار. وهذه فرضية حسابية وليست شروطًا معلنة للإصدار التونسي. لكن السؤال الاقتصادي يظل قائمًا: هل ستخلق هذه الأموال موارد إنتاجية وتصديرية تساعد على سدادها، أم سنحتاج إلى اقتراض جديد لخلاص الاقتراض السابق؟

وهنا نصل إلى جوهر الإشكال، الذي لا ينفصل عن تقييم السياسات الاقتصادية المعتمدة منذ سنة 2022. فقد بدأت السلطة بمشروع الصلح الجزائي، الذي قُدّم باعتباره وسيلة لاسترجاع الأموال وتوجيهها إلى التنمية، قبل أن يتعثر مساره، وهو تعثر أقر به رئيس الجمهورية نفسه عند الحديث عن إخفاق اللجان السابقة في تحقيق النتائج المرجوة. لكن السؤال لا يتعلق فقط بحصيلة الأموال المسترجعة، بل أيضًا بما إذا كانت طريقة إدارة الملف قد أثرت في ثقة المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال. فاسترجاع الحقوق العامة هدف مشروع، لكن نجاحه الاقتصادي يقاس بنتائجه الفعلية وبمدى احترامه للضمانات القانونية وتعزيزه لمناخ الاستثمار، لا بحجم الوعود التي رافقته.

ثم جاءت تجربة الشركات الأهلية باعتبارها نموذجًا للتنمية المحلية وخلق الثروة. ورغم التمويلات والامتيازات المرصودة لها، فإن جدواها لا يمكن قياسها بعدد الشركات المحدثة أو بحجم الأموال المخصصة لها، وإنما بمقدار ما تنتجه وتوفره من مواطن شغل وقدرتها على الاستمرار دون اعتماد دائم على الدعم العمومي. بل إن المعطيات المعلنة في مارس 2026 أشارت إلى أن 60 شركة فقط من أصل 236 شركة محدثة إلى منتصف نوفمبر 2025 كانت قد بدأت نشاطها فعليًا. وهو ما يطرح تساؤلًا مشروعًا حول مردودية التجربة، وكذلك حول طبيعتها السياسية والاجتماعية: هل بقيت مشروعًا اقتصاديًا مستقلًا، أم يمكن أن تتحول شبكات التمويل والتنظيم المحلي إلى أدوات نفوذ ومساندة للسلطة؟ وهو احتمال يحتاج إلى بحث في توزيع التمويلات والامتيازات وطبيعة الاستقلال الفعلي لهذه الشركات.

بعد ذلك برزت حملات مكافحة الاحتكار والمضاربة، وهي أهداف مشروعة من حيث المبدأ، لكن الخلط بين الاحتكار والتخزين الاقتصادي المشروع قد يضر بالإنتاج والتوازن الموسمي للأسواق. فالتخزين ليس دائمًا مضاربة، بل قد يكون ضرورة لحماية المحاصيل وتنظيم العرض بين المواسم. وإذا غابت الضوابط الواضحة التي تميز التخزين المشروع عن الاحتكار، فقد يخشى المنتجون والتجار الاستثمار في المخازن أو الاحتفاظ بالمحاصيل إلى حين تسويقها، بما يخلق اضطرابات في سلاسل التوزيع. ومن حقنا أن نتساءل عن التقييم الاقتصادي لهذه السياسات وآثارها الفعلية، بدل الاكتفاء بالمحاضر والمحجوزات باعتبارها دليلًا على النجاح.

واليوم يأتي الحديث عن الصكوك السيادية، وكأننا أمام تجربة اقتصادية جديدة قبل تقديم حصيلة شاملة ومقنعة للتجارب السابقة. وهنا يصبح السؤال أكبر من الصلح الجزائي والشركات الأهلية ومكافحة الاحتكار والصكوك؛ إنه سؤال عن منهج إدارة الدولة نفسها. هل تُبنى السياسات على دراسات جدوى ومؤشرات أداء ومحاسبة، أم تُطرح آليات جديدة كلما تعثرت سابقتها، دون تقييم موضوعي للنتائج؟

إن الدولة ليست ملكية خاصة لرئيسها، وليست مختبرًا خاصًا يجري فيه تجاربه الاقتصادية كما يشاء. والمسؤول الذي يدير المال العام لا يملك حق استعمال مستقبل الأجيال لإثبات نجاحه الشخصي أو تمديد بقائه السياسي. فنجاح المسؤول لا يقاس بما يوفره من أموال مقترضة، وإنما بما يخلقه من ثروة، وما يطوره من مؤسسات، وما يتركه من قدرة إنتاجية مستدامة. والفرق جوهري بين من يقترض ليبني مصنعًا يوفر موارد للسداد، ومن يقترض ليدفع النفقات الجارية ويؤجل مواجهة أسباب العجز.

وهذا ما يجعل التمييز بين الدولة والنظام السياسي ضروريًا. فالدولة كيان قانوني ومؤسساتي مستمر، بينما الأنظمة والحكومات تتغير. وإذا استُعمل الاقتراض لتخفيف الضغوط السياسية والمالية الآنية دون إصلاح الاختلالات، فقد يساهم في إطالة الاستقرار المؤقت للسلطة، لكنه ينقل كلفة ذلك إلى المستقبل. ولا يكفي إعلان إصدار الصكوك لإثبات أن هذا هو القصد السياسي، لكن من حقنا مساءلة النتائج: هل ستتحسن القدرة الإنتاجية للدولة، أم سنكتفي بتوفير الأموال اليوم وترك التزاماتها لمن يأتي غدًا؟

ومن حق الشعب التونسي أن يعرف، قبل إصدار هذه الصكوك، الأصول أو المنافع المرتبطة بها، وهوية المستثمرين المؤهلين للاكتتاب، ومدى مشاركة الحكومات والصناديق الأجنبية، وشروط تداول الصكوك وتحويل عائداتها، والضمانات المقدمة، وحقوق المستثمرين عند التعثر، والجهة المختصة بالفصل في النزاعات. والأهم أن يعرف كم سيخصص من الأموال للاستثمار المنتج، وكم سيذهب إلى النفقات الجارية وسداد الديون السابقة، وما الدراسات التي تثبت القدرة على الوفاء بالالتزامات المستقبلية.

لسنا ضد الاقتراض حين يكون وسيلة للإنتاج، ولا ضد الاستثمار الأجنبي حين يقوم على مصالح متبادلة وشروط عادلة، لكننا ضد أن تتحول ممتلكات الدولة ومواردها المستقبلية إلى وسيلة لإخفاء عجز لا يُعالَج، وضد أن يصبح مستقبل الأجيال ضمانًا لاستمرار سياسات الحاضر. فإذا كانت الصكوك ستخلق الثروة، فلتعرض الحكومة المشاريع ودراسات جدواها ومصادر سدادها، وإذا كانت ستُستعمل للاستهلاك وتسديد الديون القديمة، فلتعلن ذلك بوضوح.

أما إذا كان الهدف مجرد شراء الوقت المالي والسياسي دون إصلاح، فإن السؤال لن يكون متى يحين موعد السداد، بل ماذا سيتبقى للدولة عندما يحين ذلك الموعد. فالحاكم قد يغادر منصبه تاركًا الديون خلفه، لكن الدولة لا تستطيع مغادرة التزاماتها.

إن الدولة التي تقترض لتبني مستقبلها تختلف عن الدولة التي تقترض لتستهلكه. والأخطر من سقوط نظام سياسي أن يترك وراءه دولة مثقلة بديون والتزامات تفوق قدرتها على النهوض؛ فبقاء الأنظمة شأن سياسي، أما بقاء الدولة وقدرتها على الإنتاج والوفاء بالتزاماتها فهو مسؤولية وطنية لا يجوز إخضاعها لحسابات البقاء في الحكم.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات