المحكمة الدستورية والمصير المجهول وجدلية رئاسية 2029

في القانون، لا تقوم المسؤولية على فعل يأتيه الشخص فحسب، بل يمكن أن تقوم أيضًا على امتناعه عن القيام بما يجب عليه قانونًا. فعندما يكون الواجب واضحًا، ويكون الشخص عالمًا به وقادرًا على تنفيذه، ثم يختار الامتناع رغم علمه بالخطر المترتب عليه، نكون أمام إخلال بالامتناع، وفي الحالات التي يجرّمها القانون يمكن أن تقوم جريمة كاملة بالامتناع. ومن هذه الزاوية يجب أن ننظر إلى عدم إرساء المحكمة الدستورية. المحكمة الدستورية والمصير المجه…

ينص الفصل 109 من دستور 2022 على أنه عند الشغور النهائي لمنصب رئيس الجمهورية، بسبب الوفاة أو الاستقالة أو العجز التام أو لأي سبب من الأسباب، يتولى رئيس المحكمة الدستورية فورًا مهام رئاسة الدولة بصفة مؤقتة. لكن المحكمة الدستورية لا تزال إلى اليوم غير موجودة، وبالتالي لا توجد محكمة ولا رئيس لها يمكنه تطبيق هذا الفصل.

السؤال هنا بسيط: إذا توفي رئيس الجمهورية، لا قدّر الله، فمن يتولى الرئاسة؟ لم يمنح الدستور هذه الصفة لرئيس الحكومة، ولا لرئيس مجلس نواب الشعب، ولا لرئيس المجلس الوطني للجهات والأقاليم، ولم يضع حلًا احتياطيًا في صورة غياب المحكمة الدستورية. وهذا يعني أن البلاد قد تجد نفسها فجأة من دون رئيس دستوري واضح، ومن دون جهة قادرة على حسم من يملك حق تولي السلطة. المحكمة الدستورية والمصير المجه…

ولو كان الدستور صامتًا أصلًا عن مسألة الشغور، وكانت المحكمة الدستورية موجودة، لكانت على الأقل تمثل مرجعًا قضائيًا دستوريًا يمكن الرجوع إليه عند تنازع التأويلات. أما ما حدث فهو أخطر: فقد ربط الدستور الشغور حصريًا برئيس المحكمة الدستورية، وفي الوقت نفسه تُركت المحكمة ذاتها من دون إرساء؛ أي إن الطريق الأصلي أُغلق من دون وضع أي طريق بديل. المحكمة الدستورية والمصير المجه…

وفي وضعية كهذه، يمكن لكل سلطة أن تتمسك بتأويل مختلف، ويمكن لكل طرف أن يعتبر نفسه الأحق بالشرعية، فتجد البلاد نفسها أمام تنازع على رأس الدولة، في غياب مؤسسة دستورية قادرة على البت فيه. وهذه ليست مسألة نظرية، لأن الموت حقيقة تنطبق على كل إنسان. وفي أسوأ السيناريوهات، قد يضع هذا الفراغ البلاد على شفا صراع داخلي يهدد الأمن القومي والسلم الاجتماعي. المحكمة الدستورية والمصير المجه…

وهنا تبدو المسؤولية السياسية لرئيس الجمهورية ثقيلة، باعتباره الضامن لاستقلال الوطن وسلامة ترابه واحترام الدستور والقانون والسير العادي للسلط العمومية واستمرارية الدولة وفق الفصل 91. وفي المقابل، لا تزال المحكمة المرتبطة مباشرة باستمرارية رئاسة الدولة غائبة. كما أن الدستور نفسه حدد تركيبة المحكمة في الفصل 125 بصورة واضحة: تسعة أعضاء من أعلى مراتب القضاء العدلي والإداري والمالي، تتم تسميتهم بأمر.

لذلك، فإن السؤال عن سبب بقاء هذا الفراغ سنوات كاملة سؤال مشروع، ولا يمكن اختزاله دائمًا في عبارة «تأخير تشريعي عادي». قانونيًا، يمكن وصف الوضع بأنه إخلال دستوري مؤسساتي جسيم، قوامه عدم استكمال أحد أهم أركان البناء الدستوري للدولة، وتعطيل موضوعي لآليات دستورية تمس استمرارية السلطة وانتظام المؤسسات. وإذا ثبت أن عدم الإرساء كان نتيجة تعطيل متعمد، رغم العلم بنتائجه، فإن الأمر يطرح حينها أسئلة أعمق تتعلق بالانحراف في استعمال السلطة وخرق الدستور. المحكمة الدستورية والمصير المجه…

أما جزائيًا، فإن غياب المحكمة وحده لا يكفي للقول إن جريمة بعينها قد قامت، لأن الجريمة تحتاج إلى نص يجرّم الفعل، وإلى ركن مادي، وإلى قصد أو ركن معنوي ثابت بحسب طبيعتها. لكن من حقنا أن نسأل: هل ما حصل مجرد إهمال دستوري بالغ الخطورة؟ أم استهتار باستمرارية الدولة؟ أم تعطيل متعمد لمؤسسة يعلم صاحب القرار أن غيابها يترك البلاد في مواجهة فراغات دستورية حقيقية؟ المحكمة الدستورية والمصير المجه…

وقد لا نجزم بالنوايا القصدية التي تقف وراء تعطيل إرساء المحكمة الدستورية، لكن أليس من حقنا أيضًا أن نتساءل: من المستفيد من استمرار غيابها؟ فإذا أردنا يومًا البحث في وجود تعطيل متعمد لمؤسسة دستورية، فإن تحديد الجهة المستفيدة والآثار التي ترتبت عن هذا الغياب يصبح عنصرًا مهمًا لفهم الدافع والركن المعنوي؛ لا باعتباره دليلًا قائمًا بذاته، بل قرينة تستوجب الفحص.

ويزداد هذا السؤال أهمية كلما اقتربنا من سنة 2029. فالفصل 90 من دستور 2022 ينص صراحة على أنه لا يجوز تولي رئاسة الجمهورية لأكثر من دورتين كاملتين، متصلتين أو منفصلتين. كما يعتبر مدة الرئاسة الجارية مدة كاملة في صورة الاستقالة .

وهنا يبرز إشكال دستوري شديد الحساسية: هل تحتسب الفترة الرئاسية التي سبقت نفاذ دستور 2022 ضمن سقف الدورتين أم لا؟ ومن هي الجهة التي ستفصل بصورة نهائية وملزمة في هذا التأويل إذا استمرت المحكمة الدستورية غائبة؟

فقد يقال إن الفترة السابقة لدستور 2022 لا تحتسب لأنها سابقة للنظام الدستوري الجديد، وبذلك تعتبر الفترة الممتدة من 2024 إلى 2029 هي الدورة الأولى في ظل دستور 2022. لكن هذا التأويل يفتح بدوره سؤالًا لا يقل خطورة: إذا كانت المدة السابقة غير محتسبة لأنها منفصلة عن السياق الدستوري الجديد، فما هو الأساس الدستوري لاستمرار ممارسة رئاسة الجمهورية لاختصاصاتها بين دخول دستور 2022 حيز النفاذ والانتخابات الرئاسية لسنة 2024؟

أنا هنا لا أحل محل محكمة دستورية غير موجودة لأصدر حكمًا في هذه المسألة، ولا أجزم بأن تلك المرحلة كانت غير شرعية. لكنني أطرح سؤالًا قانونيًا بحتًا: إذا قيل إن المرحلة السابقة لا علاقة لها بمدة الرئاسة تحت دستور 2022، فكيف نفصلها تمامًا عن النظام الجديد عند احتساب المدة، ثم نعتبرها متصلة به عند بحث استمرارية الشرعية؟

أما إذا قيل، في المقابل، إن الاستمرارية الدستورية تقتضي احتساب المدة السابقة ضمن المسار الرئاسي نفسه، فإننا نصبح أمام إشكال مباشر يتعلق بتطبيق سقف الدورتين عند حلول سنة 2029. وهنا تحديدًا تظهر الحاجة إلى المحكمة الدستورية: ليس لتتبنى هذا التأويل أو ذاك مسبقًا، بل لتكون هناك جهة قضائية مستقلة قادرة على حسم النزاع بدل ترك كل مؤسسة تؤوّل النص بما يخدم موقفها.

وهذا يكشف أن غياب المحكمة الدستورية لا يقتصر أثره على حالة الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية، بل يمتد إلى مسائل جوهرية أخرى: حدود المدة الرئاسية، الرقابة على دستورية القوانين، الفصل في بعض النزاعات الدستورية، وضمان ألا يصبح تأويل الدستور حكرًا على السلطة التي تخضع هي نفسها لأحكامه. فالفصل 125 حدد تركيبة المحكمة، والفصول 127 إلى 130 ضبطت جانبًا من اختصاصاتها وآثار قراراتها الملزمة، ومع ذلك بقيت المؤسسة نفسها غائبة

ومن هنا يصبح السؤال في أفق 2029 مشروعًا جدًا: كيف ستُقرأ مسألة الدورتين الرئاسيتين إذا ظل غياب المحكمة الدستورية قائمًا؟ ومن سيفصل إذا تمسكت مؤسسة الرئاسة بتأويل، وتمسكت جهات قانونية أو سياسية بتأويل مخالف؟

أنا لا أجزم بالنوايا، لكنني لا أقبل أن يبقى مصير دولة كاملة، وحدود السلطة فيها، وانتقال رئاسة الجمهورية، وتفسير مدد الحكم، رهينة فراغ مؤسساتي لا توجد داخله الجهة التي أنشأها الدستور نفسه لحماية علوية الدستور.

ولهذا قلت سابقًا، على سبيل المفارقة: يبقى الحل أن يظل قيس سعيّد ممسكًا بها مدى الحياة… وأعني، طبعًا، رئاسة الجمهورية. لأن الدستور وضع حلولًا لحالات الشغور، وحدد قيودًا على مدد الرئاسة، ثم ترك المؤسسة التي يفترض أن تحمي هذه الحدود خارج الوجود الفعلي. المحكمة الدستورية والمصير المجه…

غير أن هذا الفراغ يفتح بابًا آخر أكثر عمقًا: إذا تحقق شغور يستحيل معه تطبيق الفصل 109، فهل نكون أمام مجرد تعطل لآلية دستورية؟ أم يمكن أن يُعاد فتح النقاش حول أصل المسار الذي أنتج دستور 2022 نفسه، وحدود التدابير الاستثنائية التي بدأت تحت الفصل 80 من دستور 2014، ومدى مشروعية الانتقال من دستور إلى آخر؟ المحكمة الدستورية والمصير المجه…

وهنا يصبح السؤال أكبر من المحكمة الدستورية نفسها:

هل نحن أمام مجرد مؤسسة لم تُرسَ بعد… أم أمام فراغ دستوري قد يعيد في لحظة أزمة فتح السؤال عن أصل الشرعية كلها؟

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات