"الحقائق ستُكشف".."ستكون الحقائق مدوية".. هل نحن امام ملفات قضائية أم أوراق سياسية للمفاوضة والضغط؟

متى تتحول الحقيقة من وعد سياسي إلى ملف قضائي؟

بين واجب الإحالة إلى القضاء وكلفة خطاب المؤامرة على المواطن والدولة والاستثمار

في السياسة، كلمة سوف سهلة: سوف نكشف، سوف نحاسب، سوف يعرف الشعب، وسيأتي الوقت المناسب. لكن هذه الكلمة تتغير طبيعتها حين تصدر من أعلى هرم الدولة وتُربط بملفات توصف بأنها ثقيلة وخطيرة. عندها لا يعود السؤال سياسيًا فقط، بل قانونيًا أيضًا: إذا كانت الحقيقة معروفة، فأين ملفها؟

في 8 أكتوبر 2026، قال رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خلال لقائه برئيس مجلس نواب الشعب ورئيس المجلس الوطني للجهات والأقاليم، إن لحقائق ستُكشف كاملة، ويومها لن تكون حصانة أو استثناء لأي كان، والعبارة ليست جديدة في الخطاب الرئاسي؛ ففي نوفمبر 2022، وبعد فاجعة جرجيس، خاطب الرئيس الأهالي بالقول: صبرا قليلا يا أهل جرجيس، فإن الحقيقة آتية في القريب العاجل. مرت السنوات، وكان العاجل صار يقاس بالسنوات لا بوقت الطوارئ.. وبقيت العبارة حاضرة في الذاكرة أكثر مما حضرت أمام الرأي العام في صورة خاتمة واضحة للملف.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي. حين يعلم مسؤول عمومي بمعطيات تتعلق بجرائم أثناء مباشرته لوظيفته، فإن الفصل 29 من مجلة الإجراءات الجزائية لا يتحدث بلغة الانتظار السياسي، بل ينص على أن السلط والموظفين العموميين يخبرون وكيل الجمهورية بما اتصل بعلمهم من الجرائم، ويحيلون إليه ما لديهم من إرشادات ومحاضر ووثائق. نحن إذن أمام فرق جوهري بين الحقيقة كخطاب والحقيقة كملف.

دستور 2022 يجعل رئيس الجمهورية ممارسًا للوظيفة التنفيذية بمساعدة الحكومة، ويجعل القضاء وظيفة مستقلة.. لذلك لا يُطلب من رئيس الجمهورية أن يحكم في الملفات أو يدين أصحابها، بل أن تجد المعطيات الجدية طريقها إلى القضاء؛ وعند تلك النقطة تنتهي وظيفة الخطاب وتبدأ وظيفة التحقيق والمحاكمة. ومن هنا تصبح عبارة في وقتها هي نفسها موضع سؤال: إذا كانت هناك أدلة أو قرائن على جرائم، فمن يحدد وقتها؟ القانون أم الظرف السياسي؟ فهل نحن امام مؤسسة رئاسية تحتكر الملفات ام تريد تعويض السلطة القضائية او كما اصبحت الوظيفة القضائية؟؟ وهل تغيرت مقار مكاتب التحقيق من المؤسسات القضائية الي المؤسسات السياسية؟؟

المسألة تحتمل صورتين، وكلتاهما تحتاج إلى جواب. إما أن تكون الملفات موجودة فعلًا، لكنها بقيت خارج مسار القضاء أو يُلوّح بها في المجال السياسي؛ وهنا يصبح من المشروع أن نسأل: هل أمامنا ملفات قضائية أم أوراق سياسية؟ وإما أن تكون هذه الملفات موجودة وخطيرة بالفعل، لكن الدولة لم تنجح في تحويلها إلى إجراءات قضائية فعالة؛ وعندها تصبح المسألة مسألة قدرة ومسؤولية سياسية.

فالحديث الرئاسي عن "حقائق ستكشف" و"لا حصانة لأحد" لا يوحي للناس بأننا أمام مخالفة مرور أو قضية نفقة أو خصام بين شخصين. مقام الخطاب يجعل المواطن يفترض أن الأمر يتعلق بملفات على قدر خطورته. وإذا بقيت هذه الملفات، رغم ذلك، لسنوات في خانة "سوف"، فإن السؤال يتغير: لم يعد متى ستظهر الحقيقة، بل لماذا لم تتحول إلى فعل مؤسساتي؟

وفي الحالة التي تكون فيها الملفات موجودة بالفعل، لكن مؤسسات الدولة عاجزة عن دفعها إلى مسارها الطبيعي، لا يكفي تكرار الوعد. المسؤولية السياسية تقتضي إما إيجاد الآلية التي تحول هذه الملفات إلى إجراءات قانونية، أو تحمل تبعات العجز أمام الرأي العام، بما في ذلك إفساح المجال لمن يستطيع إدارة مؤسسات الدولة وتحويل المعرفة بالوقائع إلى ملفات قضائية فعلية.

لكن الأثر لا يتوقف عند حدود القانون والسياسة. فالمواطن الذي يسمع باستمرار، ومن أعلى مؤسسة في الدولة، أن هناك مؤامرات وأطرافًا تتربص بالبلاد وحقائق خطيرة ما تزال مؤجلة، قد ينتهي به الأمر إلى الإحساس بأنه يعيش داخل خطر مفتوح لا يعرف نهايته. وهنا يظهر ما يمكن وصفه بـالإرهاب المعنوي، لا بالمعنى الجزائي، بل بوصفه حالة نفسية عامة يصنعها التكرار المستمر لفكرة الخطر دون إغلاق الملف أو تحديد نهايته.

الدولة لا تصنع الأمن فقط بالشرطة والجيش والقضاء، بل تصنعه أيضًا بطريقة مخاطبتها للناس. حين يقع خطر، يريد المواطن أن يسمع أمرين معًا: أن الدولة رصدته، وأن الدولة تسيطر عليه؛ أن التحقيق بدأ، وأن المؤسسات تحركت، وأن القضية لها مسار قضائي وحكم في النهاية. أما أن يسمع فقط أن هناك خطرًا وأن الحقيقة ستظهر لاحقًا، فذلك قد يجعل الخطاب نفسه مصدرًا للقلق.

وهذه المسألة ليست نفسية فقط؛ لها ثمن اقتصادي أيضًا. فالمستثمر لا يسمع خطاب رئيس الدولة كما يسمعه المواطن، بل يترجمه إلى أسئلة أخرى: هل المؤسسات مستقرة؟ هل النزاعات تحسم؟ هل القضاء يعمل في آجال قابلة للتوقع؟ هل الملفات الخطيرة تنتهي أم تبقى مفتوحة؟ وهل يمكن بناء قرار استثماري لخمس أو عشر سنوات داخل هذا المناخ؟ وكذلك تفعل البنوك الدولية والمؤسسات المالية والدول التي تربطها بتونس علاقات اقتصادية؛ فهي لا تسأل فقط إن كان هناك استقرار أمني اليوم، بل تسأل أيضًا إن كان المشهد السياسي قابلًا للتوقع، وإن كانت المؤسسات تحسم نزاعاتها، وإن كانت الملفات الثقيلة تنتهي أمام القضاء أم تبقى جزءًا من خطاب سياسي مفتوح.

والمفارقة أن رئيس الجمهورية نفسه قال في 20 جانفي 2025 إن العدل والإنصاف يحققان الاستقرار، وإن هذا الاستقرار هو المقدمة الطبيعية الأولى للاستثمار . وهنا يصبح السؤال الاقتصادي مباشرًا: إذا كان الاستقرار مقدمة للاستثمار، فهل ينسجم معه خطاب دائم عن مؤامرات وأخطار وملفات لم تصل إلى نهايتها؟

الاقتصاد لا يخاف من وجود المشاكل بقدر ما يخاف من غياب نهايتها. والمستثمر لا يهرب بالضرورة من دولة تعترف بوجود أزمة، لكنه يتردد أمام دولة يبدو من خطابها أن الأزمة بلا أجل معلوم. وقد تكون الدولة في واقعها أكثر استقرارًا مما يوحي به خطابها، لكن المستثمر الأجنبي لا يعيش تفاصيل البلاد اليومية؛ هو يبني جزءًا من تقييمه على ما يسمعه من مؤسساتها الرسمية، وأخطر ما يمكن أن يصل إليه هو الاعتقاد بأن الدولة نفسها تقول له بصورة متكررة إن صراعات كبرى وملفات ثقيلة لم تُحسم بعد.

ولفهم أهمية هذه النقطة، يكفي النظر إلى تجربة عشتها شخصيًا في الإمارات خلال التصعيد الإقليمي الكبير سنة 2026. كانت التهديدات حقيقية، والهجمات واقعية، والبيانات الرسمية نفسها تحدثت عن سقوط ضحايا وعن صواريخ وطائرات مسيرة استهدفت منشآت ومواقع داخل الدولة. ومع ذلك، كان الخطاب الرسمي يحمل رسالة موازية باستمرار: المؤسسات تعمل، مستويات الجاهزية مرتفعة، الوضع الأمني مستقر، وحماية المواطنين والمقيمين أولوية. وفي 18 مارس 2026 أكدت وزارة الخارجية الإماراتية أن الوضع الأمني في البلاد ظل مستقرًا وأن مستويات الجاهزية كانت في أعلى درجاتها.

وأقول هذا عن معاينة لا عن نقل. فرغم أن الخطر في محيط المنطقة كان حقيقيًا، ورغم أن الأمن المطلق بنسبة مائة بالمائة لا توفره أي دولة في العالم، فإن المقيم لم يكن يعيش يومه وهو يفكر باستمرار في المغادرة، ولم يكن المستهلك يتصرف وكأن الاقتصاد على وشك التوقف، ولم يكن المستثمر يسمع من الدولة كل صباح أن البلاد محاصرة بمؤامرة جديدة لا تعرف نهايتها. كان الخطاب الرسمي، حتى وهو يقر بالخطر، يضع إلى جانبه رسالة واضحة: المؤسسات قائمة، الدولة مسيطرة، الجاهزية موجودة، والحياة تستمر.

وهذه ليست مسألة نفسية بسيطة؛ فالاقتصاد نفسه يتأثر بما يشعر به الناس. المستهلك الذي يشعر بالخوف يؤجل الإنفاق، والمستثمر الذي يشعر بالغموض يؤجل ضخ الأموال، وصاحب المشروع الذي يتوقع اضطرابًا مفتوحًا يتوقف عن التوسع والتوظيف. لذلك فإن خطاب الطمأنة ليس تجميلًا للواقع، بل جزء من إدارة الواقع نفسه وهو فن ادارة الازمات يتم تدريسه في كبرى الجامعات، متى كان قائمًا على مؤسسات قادرة وخطط واضحة ومعلومة دقيقة.

ولست أذكر التجربة الإماراتية حتى أنقلها حرفيًا إلى تونس أو أقول إن ما يصلح لدولة يصلح آليًا لأخرى. لكل دولة تاريخها ومؤسساتها وتركيبتها السياسية والاجتماعية. لكن من حقنا، بل من واجبنا، أن ننظر إلى تجارب الدول حين نرى سياسة أعطت أثرًا واضحًا، وأن نسأل: ما الذي يمكن أن نتعلمه منها لحماية دولتنا نحن؟

فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على اكتشاف الخطر، بل أيضًا بقدرتها على منع الخطر من التحول إلى خوف جماعي يشل المجتمع والاقتصاد. والقيادة لا تكتفي بأن تقول للناس إن هناك مؤامرة؛ بل تقول لهم أيضًا ماذا فعلت الدولة لإحباطها، ومن أصبح تحت يد القضاء، وما الذي يضمن ألا يتحول الخطر إلى حالة دائمة. وهنا يظهر الفرق بين خطابين: خطاب يخبر المواطن باستمرار أن الخطر موجود، وخطاب يعترف بالخطر لكنه يخبره في الوقت نفسه أن الدولة موجودة أكثر.

ولهذا فإن أقوى رد على المؤامرات، إن وُجدت، ليس تكرار الإعلان عنها. أقوى رد هو أن يتحول المتآمر المزعوم، إن قامت عليه الأدلة، من اسم داخل خطاب سياسي إلى متهم أمام قضاء مستقل. وإذا كانت لدى الدولة حقائق عن جرائم، فمكانها الطبيعي هو الملف القضائي. وإذا كانت مجرد شبهات، فمكانها البحث والتحقيق. وإذا لم تبلغ المعطيات بعد درجة تسمح بإثباتها، فمن الأجدر ألا تُقدَّم إلى الرأي العام كما لو كانت حقيقة مكتملة تنتظر فقط لحظة الكشف.

أما أن يبقى المواطن يسمع لسنوات: سوف نكشف، سوف نحاسب، سوف يعرفون، اصبروا، فذلك يحول المستقبل من زمن للعمل إلى مخزن مؤجل للوعود. وأهالي جرجيس سمعوا منذ سنوات أن الحقيقة ستأتي، واليوم، كلما تكررت العبارة نفسها في قضية جديدة، يعود السؤال القديم بصورة أقوى: كم من الوقت تحتاج الحقيقة لكي تنتقل من خطاب رئيس الجمهورية إلى ملف قضائي مكتمل؟

فالسياسة قد تحتمل الانتظار، أما القانون فلا يعمل بمنطق "الوقت المناسب" السياسي، بل بمنطق الإخبار والتعهد والتحقيق والإحالة والحكم. ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس المزيد من الوعود بكشف الملفات، بل وضوح مؤسساتي: هل أُحيلت؟ إلى من؟ هل تعهدت بها النيابة؟ وهل ما يقال للرأي العام معلومات أصبحت بالفعل جزءًا من إجراءات قضائية، أم ما تزال مجرد مادة خطابية؟

السؤال اليوم لم يعد: متى ستُكشف الحقائق؟ بل أصبح: إذا كانت الحقيقة معروفة، فلماذا لم تُحال؟ وإذا لم تكن معروفة، فلماذا تُقدَّم للرأي العام باعتبارها حقيقة ستُكشف؟ وإذا كانت الدولة تعرفها ولكنها عاجزة عن نقلها من الخطاب إلى القضاء، فمن يتحمل مسؤولية هذا العجز؟

أما إذا كانت هذه الملفات تتحرك خارج القضاء وتظهر عند الحاجة السياسية، فالسؤال أخطر: حينها لن يكون المطلوب كشف الحقيقة فقط، بل كشف موقع الحقيقة نفسها: هل هي عند القضاء، أم داخل الخطاب السياسي؟

وهنا تحديدًا تتحول كلمة "سوف" من وعد سياسي إلى قضية دولة..

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات