أظهرت الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران أن خط الدفاع الأول والأهم عن الكيان الصهيوني هو القواعد الأمريكية في دول الخليج والأردن.
روسيا شنت الحرب على أوكرانيا لأن الناتو أراد أن يتمدد ليصل إلى حدودها، واعتبرت أن هذه مسألة حياة أو موت، ويعترف كثير من الأمريكيين، من الساسة والخبراء، لروسيا بهذا الحق، وحتى ترامب نفسه يميل إلى الاعتراف بالخطأ الذي ارتكبه سلفه ومعه الدول الأوروبية في السماح بالانزلاق نحو الحرب، وقبل هذا كان هنري كيسنجر قد اعتبر أن الحل الوحيد للحرب هو الاعتراف لروسيا بالسيادة على الأراضي التي ضمتها والتخلي عن فكرة توسيع الناتو شرقا، وهو الحل الذي يدفع نحوه ترامب وبقوة منذ عودته إلى البيت الأبيض.
لا يمكن لشعارات الأخوة وحسن الجوار أن تلغي حقائق الجغرافيا، أو تغطي على الأفعال الحقيقية، فعندما تختار الإمارات تفكيك السودان، ودعم إثيوبيا فهي بالتأكيد تضعف مصر وتسعى إلى تدميرها، خاصة ما تعلق بمياه النيل، وحتى السعودية قصفت العتاد العسكري الذي أرسلته الإمارات إلى جنوب اليمن لدعم المجلس الانتقالي واعتبرت ذلك الدعم تقويضا لأمنها القومي.
رد الفعل الإيراني على العدوان الأمريكي الصهيوني يشير بوضوح إلى إدراك طهران بأن الهدف الأساسي هو تدمير الدولة وتفكيكها، وهو هدف صهيوني تتعامل معه إدارة ترامب بشيء من التردد والارتياب لكن قدرة نتنياهو على جر ترامب إليه كبيرة، ومن هذه الزاوية يمكن قراءة ما يجري على أنه حرب وجودية بالنسبة لإيران تحتم عليها لعب جميع الأوراق دفاعا عن استمرارها ككيان موحد.
يعترف الغرب لنفسه وللدول القوية التي لا يقدر على تهديدها بالقوة العسكرية، بأن خطوط الدفاع عن الأمن القومي تمتد بعيدا عن الحدود، وتأخذ أشكالا اقتصادية وتكنولوجية وبيئية متنوعة، لكنه ينكر على الدول الأخرى هذا الحق، فتصبح إيران وفق هذا المنطق، مرغمة على الاكتفاء بإرسال صواريخ إلى الكيان الصهيوني لتجد في انتظارها الدفاعات الجوية التي تلقت الإشارة من قطر أو البحرين أو الأردن، وبعد أيام تنتهي القصة بتمدد صهيوني جديد ضمن خطة تغيير الشرق الأوسط كما يتباهى بذلك نتنياهو وكاتس وبن غفير.
الدول الخليجية المستمرة بفعل الحماية الأمريكية، وهذا ما يكرره ترامب علنا منذ سنة 2016، اختارت أن تتخلى عن كل أوراق الضغط التي بحوزتها للجم الانقياد الأمريكي خلف نتنياهو لمنع تنفيذ مخطط تدمير إيران وإخضاع المنطقة نهائيا للهيمنة الصهيونية، وقررت أن تجعل مصلحة الكيان فوق مصالحها القومية، ويمكن التذكير هنا بأن السعودية كانت إلى جانب إسرائيل معارضا شرسا للاتفاق النووي سنة 2015، وقد كانت أكبر داعم لترامب في حملته الانتخابية الأولى بسبب وعده بتمزيق الاتفاق، كما كانت تدعم عودته في سنة 2024، رغم كل ما يقال علنا أمام وسائل الإعلام عن رفض الحرب والتنديد بحرب الإبادة في فلسطين.
قد يفسر سلوك السعودية من زاوية التنافس بين القوى الإقليمية، لكنه يعكس قراءة قاصرة للواقع انتهت بالانخراط في مشروع ترتيبات إقليمية ينهي احتمال بروز السعودية كقوة ويضعها أمام خيارين لا ثالث لهما؛ الخضوع للهيمنة الصهيونية والتحول إلى جزء من المشروع الذي ينفذه ترامب، أو مواجهة نفس المصير الذي تواجهه إيران اليوم، ولعل ما تفعله الإمارات يشير بوضوح إلى هذا المصير، الذي يبشر به الكيان تركيا أيضا.
أعادت التكنولوجيا تعريف مفاهيم الحرب والعدوان، وهو ما أدى إلى إعادة صياغة مفاهيم "الأخوة" و"حسن الجوار".