بمناسبة احتفال العالم بنبي البشرية: خلود الذكر: معجزة الرسول المتجددة " ورفعنا لك ذكرك "

تتجلى حقيقة الوجود المحمدي في عمقها الروحي كظاهرة متعالية تخترق حجب الزمان والمكان، متجاوزة حدود الأثر التاريخي العابر لتستقر في مقام المعجزة الربانية الخالدة التي لا تقبل الانطفاء. هذه المعجزة لا تستمد ديمومتها من جهد بشري أو احتفاء موسمي، بل تنبثق مباشرة من إرادة سماوية قاطعة صاغها البيان القرآني في قوله تعالى: "وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ". لقد أدرك المفسرون الأوائل أن هذا الرفع ليس مجرد ذيوع للصيت أو إشادة بالفضائل، بل هو ارتقاء تكويني يربط بين الخالق والمخلوق في أقدس مقامات التوحيد.

يؤكد الإمام الطبري في "جامع البيان"، مستندا إلى الأثر الثابت عن مجاهد، أن هذا الرفع يتجسد في القاعدة العقدية الحاكمة التي مفادها: "لا أُذْكَرُ إلّا ذُكِرْتَ مَعِي"، مما يجعل النطق باسم النبي شرطا جوهريا لاكتمال الإيمان في الشهادتين ومصاحبا حيا لا ينفك عن نداء الأذان وإقامة الصلوات.

هذا الارتباط العضوي بين الذكر الإلهي والذكر المحمدي يتخذ أبعادا كونية وفلسفية أعمق عند استنطاق المدارس التفسيرية الكبرى. يغوص الإمام الفخر الرازي في كتابه "مفاتيح الغيب" ليبرهن على أن هذا الرفع قد كسر حدود الأرض ليخترق الملأ الأعلى، حيث قرنت طاعة الله بطاعة رسوله. وفي التفاتة بلاغية ثاقبة تحلل البنية التركيبية للآية، يلتقط الإمام محمد الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير" سر تقديم الجار والمجرور في قوله "لك" على المفعول به، كاشفا أن هذا النظم يفيد: "الاختصاص، أي رفعنا ذكرا لأجلك لا يشاركه فيه غيرك"، وكأن السماء قد تكفلت وحدها بإدارة هذا الحضور وإدامته دون شريك.

ميزان النقد

يحتدم السجال الفقهي حول مشروعية الاحتفاء بمولد الرسول ليبرز تيارا مانعا يستند إلى قراءة ظاهرية تقف عند حدود الانقطاع التاريخي للممارسة. ترتكز الحجة المركزية لهذا التيار على اعتبار إحياء هذه الذكرى بدعة محدثة، متجاهلين التفريق الأصولي الاساسي بين العبادة الشعائرية المغلقة والعبادات العامة. أمام هذا التصلب، تبرز المدرسة الاستنباطية العميقة التي أسس لها الحافظ ابن حجر العسقلاني في مقاربة نقدية حاسمة، حين ربط مشروعية الاحتفاء بأصل ثابت في الصحيحين يتعلق بصيام يوم عاشوراء شكرا لله، ليستنبط قياسا جليا يتساءل فيه: "فأيُّ نعمةٍ أعظمُ من النعمة ببروز هذا النبيِّ نبيِّ الرحمة في ذلك اليومِ؟".

ويتأكد هذا المعنى الاستنباطي بالرجوع إلى ما دونته كتب الشمائل والصحاح حول الممارسة النبوية ذاتها، حيث أسس النبي صلى الله عليه وسلم أصل الاحتفاء بيوم مولده من خلال عبادة الشكر. فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي قتادة الأنصاري، أن رسول الله سئل عن صوم يوم الإثنين، فأجاب إجابة تقطع دابر كل محاولة للفصل بين نعمة الوجود المحمدي وإظهار الامتنان لله عليها، قائلا بوضوح: "ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ، أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ". هذا التوثيق النبوي الصريح يمنح الاحتفاء بالمولد سندا فعليا، إذ يقرر أن استحضار ذكرى الميلاد، وتخصيصها بعبادة الشكر، ليس ابتداعا دخيلا بل هو اقتفاء لأثر نبوي مباشر.

ولم يقف الجهد النقدي عند هذا الحد، بل تعمق مع الإمام جلال الدين السيوطي في رسالته المحكمة "حسن المقصد في عمل المولد"، حيث تولى تشريح دعوى البدعة وتفنيدها عضويا، مقررا بوضوح: "أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن... من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف".

حتمية الفرح

يتجاوز السجال حول مولد نبي الإنسانية حدود الفقه ليلامس جوهر الانتماء الروحي وتدفق الفطرة في شرايين الأمة. هؤلاء المانعون الذين يقيمون أسوارا من التحريم والمنع الصارم يغرقون في الجمود ، وتغيب عن بصائرهم حقيقة أن الفرح بيوم مولده يمثل استجابة فطرية عميقة لتيار روحي أراد الخالق أن يتدفق في قلوب المؤمنين. فإذا كان الحق سبحانه قد أقر رفع ذكره في الملكوت الأعلى، فكيف يضيق عقل بشري متناه بالاحتفاء بلحظة انبلاج هذا الفجر؟

حصن الهوية

تمتد أبعاد هذه المعجزة المتجددة لتشكل حائط الصد الأخير في معركة الوجود الحضاري للأمة. هذا التفرد العبقري هو ما استوقفه القاضي عياض اليحصبي في كتابه المميز "الشفاء بتعريف حقوق المصطفى"، حين كشف كيف تجاوزت خصائص النبوة المحمدية قيود الزمان. العقل الضيق حين يحاصر هذا النبض الوجداني بأسوار التحريم، فإنه يحول الدين إلى منظومة جافة ويغفل عن حقيقة أن الاحتفال العضوي بذكرى المولد كان دائما منصة لتجديد العهد وإعادة بناء الانتماء في مواجهة أزمات التغريب.

عقم الرفض

يتكشف عقم المقاربة المانعة بوضوح جلي حين نعرضها على مقياس المقاصد الشرعية. فالشريعة لم تتنزل لتجفيف الينابيع الوجدانية بل لتوجيهها. تبلغ هذه المفارقة النقدية ذروتها عند استنطاق مدونات تحمل على مقاومة البدع ، حيث يفاجئنا ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" بموقف ينسف مواقف عدد منالفقهاء المعاصرين ، إذ يقر صراحة: "فتعظيم المولد، واتخاذه موسما، قد يفعله بعض الناس، ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده، وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم". هذا الإقرار من رمز الصرامة الفقهية يسقط ورقة التوت عن القراءة اظاهرية الحديثة.

حظيرة القدس

يتجاوز الحضور المحمدي حدود التشريع الجاف ليلامس البنية الوجودية ذاتها، حيث ينتفي الفصل الوهمي بين عالمي الغيب والشهادة. لقد التقط الإمام شاه ولي الله الدهلوي في كتابه الشهير "حجة الله البالغة" هذا الخيط الرفيع حين غاص في حقيقة الارتباط العضوي بين الروح النبوية وما أسماه "حظيرة القدس"، مبينا أن الرفع الإلهي للذكر هو هيمنة روحية متصلة تفيض أنوارها على العالم المادي. وفق هذه الرؤية العميقة، لا يعد الاحتفاء بمولد نبي الإنسانية فعلا بشريا معزولا، بل هو صدى أرضي متواضع لاحتفال ملائكي سرمدي.

شريان البقاء

تؤول كل محاولات المصادرة الفكرية والروحية إلى سقوط محتوم أمام هيمنة الفطرة وحيوية الانتماء. إن الأمة التي تتشبث بالاحتفاء بنبيها لا تمارس طقسا استهلاكيا، بل تضخ دماء الحياة في شرايين وجودها وتقيم سدا منيعا يصد تيارات العدمية والتسطيح. الخالق الذي أخذ على نفسه عهد رفع الذكر قد أودع في قلوب الملايين سر هذا الفرح ليظل نبعا لا ينضب وقوة عصية على الانكسار. فهل يستوعب دعاة الجفاء أن محاصرة هذا النور النبوي المتدفق ليست سوى محاولة يائسة لحجب شمس الحقيقة الساطعة؟

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات