لم يكن صدور الأمر الرئاسي عدد 206 لسنة 2026 المؤرخ في 12 أوت الجاري، والقاضي بتمديد مفعول المنطقة الحدودية العازلة لسنة إضافية، مجرد إجراء روتيني أملته تطورات الميدان، بل هو تثبيت لنهج إداري يحول التدابير الاستثنائية المؤقتة إلى قواعد قانونية مستدامة. هذا التمديد المتواتر لمفاعيل القرار الجمهوري التأسيسي عدد 230 لسنة 2013، يطرح إشكالية موضوعية تتمثل في إدارة رقعة جغرافية واسعة استنادا إلى نصوص ترتيبية وتنظيمية تفتقر إلى الضمانات التشريعية المطلوبة لتنظيم المجالات الحيوية. إن دراسة هذا النظام تقتضي تحليل نظامه الإجرائي وبيان أثر الاستثناء المستدام على قواعد الاختصاص، من زاوية نقد القصور التشريعي الذي اخضع معالجة الاشكاليات الاجتماعية والاقتصادية المعقدة للنصوص الزجرية والآليات الاستثنائية، عوضا عن ابتكار بدائل تدمج المواطن الحدودي في الدورة الاقتصادية وتحترم مقومات دولة القانون.
الجزء الأول: البناء الترتيبي للمجال العازل وعبء التداخل الإجرائي:
تأسس النظام القانوني للمنطقة العازلة على نصوص إجرائية استوجبتها ضرورة تنسيق الصلاحيات الإدارية مع السيطرة الميدانية، مما ادى في الواقع الى تراجع المبادئ العامة لصالح آليات استثنائية تضع النصوص المنظمة في امتحان يومي مع الطبيعة الاجتماعية للحدود.
المبحث الأول: نسق القيود وتصادم النص مع الواقع الرعوي:
استند القرار التأسيسي المنشور بالرائد الرسمي في فصله الثاني إلى تحديد جغرافي يشمل الأشرطة المتاخمة للحدود الجزائرية والليبية، فارضا في فصله الثالث قيدا جوهريا على حرية التنقل عبر اشتراط الحصول على ترخيص مسبق من والي الجهة للولوج إلى هذه الفضاءات. ورغم أن النص أوكل الصلاحية لسلطة مدنية، إلا أن النتيجة الموضوعية هي إخضاع حق التنقل لتقدير الإدارة البيروقراطية. ولعل أدق تجسيد لهذا الخلل يتجلى في وضعية مربي الإبل في مناطق" لرزط والبرمة"، حيث يعتمد السكان على الرعي المفتوح والانتجاع. فهذه القطعان تتحرك بحثا عن المرعى متجاوزة الترسيمات الإدارية، ليجد الراعي نفسه ملزما باستخراج تصاريح معقدة توثقها السجلات اليومية للمندوبيات الجهوية للفلاحة بتطاوين وقبلي، والتي ترصد حجم معاناة الفلاحين في استصدار أذون المرور. وإذا ما شرد القطيع داخل العمق العازل، تجد الوحدات الميدانية نفسها، بحكم التزامها الحرفي بتطبيق قواعد الاشتباك التي يضبطها الفصل السادس، ملزمة بالتعامل الصارم مع الاختراق. هذا الوضع يحول حق الملكية والعمل الفلاحي إلى رهينة بيد التعقيدات المدنية التي صيغت بمعزل عن فهم الطبيعة البدوية، مما يضع الأجهزة المكلفة بالتنفيذ يوميا في مواجهة إكراهات اجتماعية تتجاوز المقاربة الأمنية البحتة.
المبحث الثاني: استبعاد الاختصاص الطبيعي:
ينتج عن هذا التنظيم الترتيبي إشكال جوهري يتعلق بتنازع الاختصاص القضائي واتساع دائرته بشكل يغير طبيعة المتقاضين. فالأصل أن المخالفات العادية المرتكبة في المنطقة العازلة تخضع لاختصاص القضاء العدلي، غير أن هذا الاختصاص يؤول استثناء للقضاء العسكري بمجرد تفعيل الصلاحية المخولة للقيادة الميدانية بتحويل أي جزء من المنطقة إلى منطقة عسكرية مغلقة استجابة لضرورات طارئة، حيث يتغير التكييف المكاني ليصبح في حكم المعسكرات استنادا للفصل الخامس من مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية. ولفهم وطأة هذا التكييف، يكفي تأمل الوقائع الميدانية التي وثقتها بيانات الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان إبان مواسم جني" الترفاس" في فصلي الربيع والشتاء، حيث يمثل هذا النشاط موردا حيويا لشباب رمادة وتطاوين. فخروج مواطن للبحث عن هذه الثمرة الصحراوية، وتجاوزه العرضي لخط المنطقة المغلقة، يحيله آليا إلى التحقيق كفاعل أصلي في جريمة عسكرية. إن هذا التكييف يثقل المنظومة القضائية العسكرية الخاصةبأعباء النظر في قضايا ذات طابع اجتماعي ومعيشي، ويوسع دائرة الاختصاص لتشمل أفعالا تفتقر إلى القصد الإجرامي الموجه ضد أمن الدولة، مما يخل بمبدأ التناسب بين الفعل والجهة القضائية الناظرة فيه.
الجزء الثاني: الفراغ الرقابي وحتمية التطوير التشريعي:
لا تتوقف ثغرات هذا النظام عند جمود النص المنشئ له، بل تمتد لتصطدم بضعف آليات الرقابة القضائية، مما يفرض ضرورة الاحتكام إلى التجارب المقارنة والدراسات الاجتماعية لاستنباط إطار قانوني يحقق التوازن المنشود.
المبحث الأول: مأزق الرقابة وحصانة التدابير الترتيبية:
يشير تواتر أوامر التمديد الى مأزق حقيقي يتمثل في غياب آليات رقابية ناجعة تضع حدا لتأبيد الاستثناء الإداري. ففي ظل غياب قضاء دستوري يتولى فحص مدى تطابق القيود الترتيبية مع جوهر الحقوق الأساسية، تنفرد الإدارة بصياغة ضوابط المجال الحدودي.
وأمام هذا الفراغ، يلتزم القاضي الإداري بالتحفظ عند ممارسة رقابته عبر دعوى الإلغاء، إذ تستقر الاجتهادات على تكييف هذه الأوامر ضمن المقررات المتصلة بالأمن الوطني وأعمال السيادة. هذا الواقع الفقهي يحصن الأوامر الترتيبية عمليا، ليظل المواطن الحدودي عرضة لتعطيل مصالحه دون سبيل قضائي يرفع عنه هذا الضرر، وهو ما يبقي حالة الاحتقان قائمة ويزيد من تعقيد الإدارة الميدانية التي تجد نفسها مضطرة لمعالجة نتائج قرارات إدارية مركزية جامدة تفتقر للمرونة اللازمة لاستيعاب خصوصيات الفضاء الصحراوي المعقد.
المبحث الثاني: الظاهرة التجارية وضرورة التأسيس التنموي:
يتنافى الاستمرار في إدارة الحدود بالية الأوامر المتعاقبة مع مبادىء فقه القانون العام المقارن الذي يرفض إقرار قيود مستدامة على الحريات بموجب نصوص ترتيبية. وبالنزول إلى واقعنا، تبرز تجارة المسالك الصحراوية البينية كتهريب السلع بين الذهيبة وبن قردان والقطر الليبي والمعروفة محليا "بتجارة الخط"، بوصفها واقعا لا يمكن محوه بالنصوص الزجرية وحدها. وهو تماما ما انتهت إليه الدراسات الميدانية المعمقة التي أنجزها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والتقارير الصادرة عن منظمة إنترناشونال أليرت، والتي أجمعت على تصنيف هذه التدفقات الحدودية ضمن اقتصاد البقاء الذي فرضه غياب البدائل التنموية المهيكلة. إن التعويل الحصري على الجانب الزجري لمكافحة هذه الظاهرة يظل قاصرا دون مقاربة اقتصادية قانونية تسنده. من هنا تبرز حتمية استصدار قانون أساسي متكامل يلغي الإطار الترتيبي القديم ويؤسس لنظام حدودي مندمج، تشريع يخلق مناطق تبادل تجاري حر تمتص اليد العاملة، ويعهد بالمسائل التنموية للهياكل المدنية، محتفظا للتدخل الاستثنائي بطابعه الخاص في مواجهة المخاطر الجسيمة حصرا.
وفي الأخير يجدر التأكيد على أن تمديد العمل بالمنطقة الحدودية العازلة يكشف عن تأخر هيكلي في تحيين المنظومة التشريعية التونسية لتستوعب التحديات الميدانية ضمن أطر مدنية وتنموية متكاملة. وإن استسهال إدارة الحدود عبر نصوص ترتيبية تلقي بالعبء الاجتماعي على كاهل الآليات الزجرية، وتتجاهل طبيعة الرعي ومواسم العمل الموسمي واقتصاد المعاش دون تقديم بدائل، يؤسس لواقع قانوني مختل.
لا شك أن حماية التراب الوطني أولوية سيادية، غير أن السيادة الشاملة تتطلب ابتكار تشريع أساسي يرد الاعتبار للتنمية ويرسخ الاختصاص القضائي الطبيعي ويحد من الالتجاء الى المحاكم الاستثنائية. فمتى يدرك الفاعل التشريعي أن الدولة تعزز أمن حدودها حين تحول المواطن في هذه المناطق من مجرد موضوع للرقابة والتوجس، إلى فاعل اقتصادي محمي بالقانون وعنصر دعم لاستقرار مجاله الترابي؟