تقف الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات في بيانها الأخير بمناسبة الذكرى 70 لصدور مجلة الأحوال الشخصية أمام مفارقة تاريخية ومجتمعية حادة تكشف عمق المأزق الذي يعيشه الفكر الحقوقي في تونس اليوم. المجلة-الوثيقة التي رأت النور في أوت 1956 أحدثت بلا شك رجة عنيفة في ذهنية كانت تضع المرأة في مرتبة الدونية وأسست لملامح دولة راهنت على التحديث من بوابة العائلة. لكن التشبث الرمزي بهذه اللحظة التأسيسية بعد سبعة عقود وتحويلها إلى متراس دفاعي في وجه تقلبات السياسة يعكس أزمة حركة نخبوية باتت أسيرة نصوصها التاريخية. البيان يطرح رؤية تحاول التوفيق بين تمجيد الماضي القانوني ومواجهة الحاضر المأزوم غير أن هذا المسعى يرتطم سريعا بجدار الواقع الاقتصادي القاسي الذي يجعل من أرقى الوثائق مجرد حبر على ورق متى غابت مقومات العدالة الشاملة.
الاعتراف المتأخر في ثنايا البيان بهشاشة وضعيات العاملات الفلاحيات وتوسع دوائر التفقير وتصاعد العنف لا يكفي لردم الفجوة بين التنظير الحقوقي والمعاناة اليومية. الخطاب النخبوي يواصل الهروب إلى الأمام عبر المطالبة بمزيد من التعديلات القانونية وملاءمة التشريعات مع المعاهدات الدولية وكأن الخلل يكمن في غياب النص لا في غياب الإرادة والآليات القادرة على إنفاذه. هذا القصور عن استيعاب الجذور الاقتصادية للقهر يتجلى بوضوح حين نصطدم بلغة الأرقام الصادمة، فدراسة جمعية "أصوات نساء" و"حراك عاملات الفلاحة "تفضح مأساة المنظومة بأكملها حيث تقفز نسبة البطالة بين النساء إلى أكثر من 22%وتتدحرج نسبة التغطية الاجتماعية للعاملات في القطاع الفلاحي الموسمي إلى حدود 12% فقط رغم أنهن يمثلن العمود الفقري للإنتاج الزراعي. هؤلاء النسوة اللواتي يكدحن لساعات طوال مقابل أجر يومي زهيد لا تعنيهن كثيرا صراعات الهوية وتطوير فصول الطلاق القضائي بقدر ما تعنيهن الحماية الفعلية من استغلال اقتصادي بشع يعيد إنتاج سلطة القهر بأدوات التهميش والإفقار.
تتجاهل المطالبة الملحة بالمراجعات التشريعية حقيقة قاسية يدركها المتمرسون في حل النزاعات وإدارة العدالة داخل أروقة المحاكم وهي أن أعظم المدونات القانونية تفقد روحها وتتحول إلى نصوص ميتة متى غابت الإرادة المؤسسية المستقلة القادرة على إنفاذها. فالبيان يطالب بملاءمة القوانين الوطنية مع المعاهدات الدولية ويدعو بلهجة قاطعة إلى التطبيق الصارم للتراتيب الحمائية لكنه يغفل في غمرة هذه الحماسة المطلبية عن طبيعة الأزمة الراهنة التي تعصف بمقومات استقلال القضاء.!
القاضي المكبل في مساره المهني أو المحاصر بالضغوط لا يمكنه أن يكون درعا يحمي الفئات الهشة ولا يملك الجرأة لإنزال النصوص المتقدمة على واقع معقد تغلب عليه التجاذبات العنيفة. النص القانوني مهما بلغ تطوره يظل قاصرا إن لم تسنده سلطة قضائية تملك شجاعة التأويل الحر وتتصدى لمحاولات الالتفاف على حقوق المواطنة وهو ما يجعل من معركة استقلال القضاء أولوية تسبق أي تعديل تشريعي مرتقب.
يتجلى المأزق المنهجي بوضوح حين تنتقل البيان من مربع الدفاع عن الحقوق إلى مطالبة أجهزة الدولة بالتدخل المباشر لإغلاق المنابر أمام دعوات الانغلاق والأصوات المناوئة للمساواة. هنا تقع النخبة الحقوقية في تناقض مكشوف إذ كيف يعول على ذات السلطة التي يندد بتضييقها للفضاء المدني لتكون حارسا يقمع الآراء المخالفة. هذا الارتهان لسلطة الدولة في حسم المعارك الثقافية ينم عن قصور في استيعاب طبيعة الصراع المجتمعي، فالدولة متى منحت حق إسكات الأصوات تحت مسوغ حماية المكتسبات لن تتوانى عن استخدام ذات السيف لإخماد الأصوات الحقوقية متى تعارضت مع مصالحها السلطوية.
إن مواجهة طروحات الماضي لا تتم عبر استدعاء عصا المنع وإجراءات الرقابة الفوقية بل تستوجب النزول إلى الميدان والاشتباك المعرفي في مواجهة هذه الخطابات داخل الحاضنة الشعبية التي تتغذى منها وتعرية تناقضاتها بالحجة والبرهان البديل بدلا من التعويل على الحظر الرسمي.
المعركة الفاصلة لم تعد تدور حول تنقيح فصل هنا أو إضافة مادة هناك بل تتجاوز ذلك نحو بناء بيئة مؤسساتية صلبة تقي المجتمع من ارتدادات الانغلاق. المتأمل في مسار الفقه الدستوري وتطور المدونات الحديثة يدرك يقينا أن النصوص الوضعية لا تكتسب قوتها من تاريخ صدورها بل من قدرتها على الإجابة عن أسئلة الحاضر المنفلت. لذلك يبدو التمترس خلف مجلة الأحوال الشخصية كجدار صد أخير خيارا محفوفا بالمخاطر لأنه يختزل قضية المواطنة الشاملة في وثيقة واحدة مهما بلغت ريادتها. الحقوق تؤخذ ولا تمنح بقرارات مسقطة وحمايتها تتطلب النزول الى مختلف فئات الشعب لبناء وعي متجدد. فهل تدرك النخب الحقوقية أن تحصين المكتسبات يمر حتما عبر تحرير السلطة القضائية وبناء حزام مجتمعي يقف سدا منيعا أمام دعوات الانتكاس أم أنها ستظل أسيرة خطاب مطلبي يتردد صداه في غرف مغلقة بينما يكتب الواقع قوانينه القاسية في الشارع.