مقامة: الشَّرقَةُ(1)؛ بَينَ نِيرِ(2) الفَاقَةِ وَنَارِ (الحَرقَة)(3)

حَدّثَنَا حَكِيمُ بنُ فَضلٍ المُؤَرّخُ، قَالَ:

لَمّا ٱنقَشَعَت عَن (عزّوزْ النبّارْ) غُمّةُ السّجنِ، وَٱنطَوَت عَنهُ صَفحَةُ الحُزنِ؛ قَصَدتُهُ مُوَاسِيًا لاَ نَاشِدَ مُلحَةٍ، وَأَتَيتُهُ مُسَانِدًا لاَ نَاكِئًا(4) جُرحَهُ. فَقَد شَاعَ فِي البَلَدِ أَنّهُ أُقِيدَ فِي الأَغلاَلِ، بِتُهَمٍ لاَ تُحصَى فِي مَقَالٍ؛ مِن إِتجَارٍ بِالبَشَرِ، وَتَكوِينِ وِفَاقٍ لِلعُبُورِ فِي البَرّ وَالبَحرِ، وَتَسهِيلٍ لِلهِجرَةِ فِي غَيرِ الصّيَغِ المُقَرّرَةِ.

فَلَمّا دَلَفتُ عَلَيهِ فِي صَحنِ الدّارِ، وَجَدتُهُ يَحلِقُ عَن شَارِبِهِ نَكَدَ الأَكدَارِ، فَقُلتُ:

– «عَافَاكَ ٱللّهُ يَا (أبا العزّ) مِنَ السّجنِ وَالأَغلاَلِ، وَمَا لِتُهَمِكَ تَتَنَاسَلُ كَتَنَاسُلِ الأَجيَالِ؟»

فَٱلتَفَتَ إِلَيّ مُرَحّبًا، ثُمّ جَاسَ فِي الأَرجَاءِ مُنَقّبًا؛ كَمَن يَستَأمِنُ المَجَالَ، تَهَيّبًا مِمّا سَيَرشَحُ وَيُقَالُ، ثُمّ أَوسَعَ لِي دُونَهُ، وَٱنطَلَقَ يَبُثّ شُجُونَهُ:

– «ٱقعُد (ها شِنتْي)(5) فَإِنّ وَرَاءَ الإِدَانَةِ دَهَاءً، وَوَرَاءَ الحِكَايَةِ ٱبتِلاَءً.»

قُلتُ:

– «هَاتِ أَسمِعنَا، فَمَن ذَا الّذِي سَيُنَاظِرُكَ دَهَاءً!!»

فَٱستَطرَدَ:

– «مَا حَصَلَ أَنّي رَأَيتُ أَرَاذِلَ المَحَلّةِ، مِمّن كَانُوا أَهلَ المَسكَنَةِ وَالمَذَلّةِ؛ قَد رَكِبُوا اليَمّ شَطرَ الضّفّةِ الأُخرَى، فَعَادُوا يَطَؤُونَ الأَرضَ خُيَلاَءً وَفَخرًا. يَركَبُونَ الفَارِهَ مِنَ السّيّارَاتِ، وَيَنتَخِبُونَ لِلنّكَاحِ أَجمَلَ الجَمِيلاَتِ. فَحَرّكَنِي الجَشَعُ، وَغَرّانِي الطّمَعُ؛ بِعتُ مَا تَيَسّرَ مِنَ الشّاءِ(6) وَالغَنَمِ، وَمَا لَدَى الزّوجَةِ وَالبِنتِ مِن حُلِيّ وَنِعَمٍ، ثُمّ شَدَدتُ حَولَ عُنُقِي الوَثَاقَ، وَسَلّمتُ طَرَفَهُ لِلمُكَنّى (الزّڨَوْ الحرّاقْ)»…

فَقَاطَعتُهُ مُمَاحِكًا:

– «وَيحَكَ يَا تِربَ(7) الإِخفَاقِ؛ أَوَعَاقَدتَ (الزّڨوْ الحرّاقْ)؟!.. أَمَا كُنتَ تَعلَمُ مَعدِنَهُ، وَتَذكُرُ مَا ينطوي عليه مَخزَنه؟»..

غَمغَمَ (عزّوزْ) بِمَا يُبِينُ عَن حَسرَةٍ، وَلَعَنَ الغَفلَةَ سَاعَةَ العُسرَةِ، وَقَالَ:

– «وَلَمّا تَبَيّنتُ أَنّي مَضَيتُ فَرِيسَةً لِمُحتَالٍ، وَأَنّ التّسفِيرَ الّذِي وَعَدَنِيهِ كَانَ مَحضَ خَيَالٍ؛ ٱستَوَيتُ فَترَةً عَلَى فِرَاشِي لاَ أَبرَحُهُ، أَغمِطُ وِزرِي عَمّن حَولِي وَلاَ أَشرَحُهُ. ثُمّ آلَيتُ أَن أَثأَرَ لِحُمقِي وَفَشَلِي، وَأَن أَستَعِيدَ مَا ضَاعَ وَلَو عَبرَ سَاعٍ غَبِيّ مِثلِي…

وَلَمّا ٱستَوثَقتُ مِن عَزمِي، وَنَفَضتُ عَنّي كَسَلِي وَنَدَمِي، قَصَدتُ سُوقَ البَشَرِ أَتَقَصّى وُجُوهًا تُكدّى(9). فَلَقِيتُ أَربَعَةً لاَ يَملِكُونَ إِلاّ المُنَى، قَد تَعَلّقُوا بِالبَحرِ كَمَا يَتَعَلّقُ المُرجَأُ بِالرّجَى؛ هُم بَينَ سَيّدَةٍ وَقُورَةٍ وَبِنتٍ مَغرُورَةٍ، وَصَاحِبِ شَهَادَةِ تَارِيخٍ نَفِدَ رَصِيدُهُ، وَمُدَرّسٍ رَصِينٍ يُبدِي كَدِيدَهُ(10)، فَقَالُوا:

– «نَبتَغِي العُبُورَ؛ فَهَلاّ جَبَرتَ لِلمَعثُورِ؟»

فَقُلتُ:

– «طَلَبُكُم عِندِي فَأَسِرّوا الخَبَرَ، وَأَنَا المَركَبُ وَالمَعبَرُ، وَأَنَا مَن يَعرِفُ المَوجَةَ وَالمَسِيرَ وَالقَدَرَ.»

ثُمّ قُدتُهُم إِلَى أَرضٍ نَائِيَةٍ؛ إِرثٌ قَدِيمٌ خَارِجَ المَدَى وَالنّاحِيَةِ. وَقَبَضتُ مِنهُم أَضعَافَ مَا دَفَعتُ، وَاعِدًا إِيّاهُم بِرَنّةِ هَاتِفٍ حِينَ تَؤُوبُ السّفِينَةُ، وَحِينَ يَتَفَضّلُ عَلَينَا المَوجُ بِالسّكِينَةِ. ثُمّ إِنّي وَهَبتُهُم مُستَودَعِي سَكَنًا، وَالمَاجِلَ سُقيَا وَمَشرَبًا. وَكُنتُ مُقتَنِعًا أَن لاَ فِرَارَ، فَلَن يَجرُؤَ أَحَدُهُم عَلَى الإِشهَارِ، وَالمُتَوَرّطُ غَالِبًا يَخشَى الإِعذَارَ(11). ثُمّ قُلتُ لَهُم:

– «هَذَا مَحَلّ التّجمِيعِ قَبلَ المُرُورِ، سَأَستَشِيرُ البَحرَ وَنُعلِنُ سَاعَةَ العُبُورِ.»

ثُمّ غَادَرتُهُم بَعدَ أَن أَودَعتُهُمُ المُستَقَرّ، وَأَسلَمتُهُم إِلَى مَصَائِرِهِم وَمَا سَيُحَتّمُهُ القَدَرُ، فَجَلَسُوا يَقتَسِمُونَ الأَمْتَ(12)، وَيَستَحِثّونَ أَمَلًا دُونَهُ الصّمتُ. وَظَلَلتُ بِٱتّصَالٍ مَعَهُم حِينًا فَحِينًا، وَكُلّ مَرّةٍ أَختَرِعُ عُذرًا وَأُجَدّدُ يَقِينًا. أَزُورُهُم طَورًا لِسَدّ الذّرَائِعِ، وَأُحَدّثُهُم عَن فِطنَةِ العَسَسِ وَٱنتِشَارِ المَوَانِعِ. حَتّى إِذَا تَآلَفُوا وَتَنَاسَوُا الضّجَرَ، سَيّرُوا مَعَاشَهُم وَأَثّثُوا مَوَائِدَ لِلسّمَرِ. وَكُنتُ قَد جِئتُهُم مَرّةً لِأَحبِكَ الدّورَ وَأُبَدّدَ المِيعَادَ، فَجَلَستُ إِلَى مَائِدَتِهِم وَتَقَاسَمنَا الزّادَ، فَلَمّا فُتِحَ لِلحَدِيثِ البَابُ؛ أَمَاطَ المُدَرّسُ عَن مَأسَاتِهِ بِإِطنَابٍ، فَقَالَ:

«كُنتُ أَرَى أَنّ التّلقِينَ بِكرًا يُصَدّعُ البُنيَانَ، يُرهِقُ الذّاكِرَةَ الغَضّةَ، وَيُوكِئُ(13) اللّسَانَ؛ فَغَضَضتُ عَنِ المَنَاوِيلِ الطّرفَ، وَرَكَنتُ نَظَرِيّةَ «مِنَ الجُملَةِ إِلَى الحَرفِ»، وَعُدتُ بِالفَلاَذِيذِ إِلَى التّهجِئَةِ عِوَضَ التّعبِئَةِ، وَإِلَى الإِملاَءِ بَدَلَ المَلءِ... فَلَمّا ٱستَقَامَت نَتَائِجُهُم وَنُجِزَ المَنَالُ، ٱنتَبَهَتِ الإِدَارَةُ وَكَشّرَ السّؤَالُ. فَرُفِعَت ضِدّي تَقَارِيرُ فِي المَوضُوعِ؛ ٱتّهَمُونِي فِيهَا بِالكَسبِ غَيرِ المَشرُوعِ، وَبِمُعَارَضَةِ النّظَامِ، وَالتّجَرّؤِ عَلَى المُقَرّرِ العَامّ... وَمَا غَاضَنِي إِلاّ نُكُوصُ أَهلِ الوِلدَانِ؛ بَعدَئِذٍ كَانَ دَعمِي لِأَبنَائِهِم بِالمَجّانِ.»

حِينَ بَلَغَ إِلَى خِرّيجِ التّارِيخِ الدّورُ، تَذَكّرتُكَ (ها شِنْتي ها حكيمْ) عَلَى الفَورِ، فَٱنتَبَهتُ لِلَسنِهِ(14) كَيفَ يَمُورُ(15)، إِذ يَقُولُ:

– «وَأَنَا مِثلُكَ تَمَامًا يَا زَمِيلِي، وَإِلَيكُم وَصلَةً مِن مَوَاوِيلِي؛ فَمُذ تَخَرّجتُ -وَحَدّ اللّحظَةِ- وَأَنَا أَنتَظِرُ العُبُورَ، يُسَارِعُ التّارِيخُ مِن حَولِي إِلاّ تَارِيخِي عِندَ أُولِي الأُمُورِ؛ شَهَادَتِي المَركُونَةُ شَهِدَت عَلَى تَفَكّكِ السّوفِيَاتِ، وَعَلَى صُعُودِ أُمَمٍ وَأُفُولِ دُوَيلاَتٍ، ثُمّ عَلَى تَغَيّرِ الخَرَائِطِ، وَٱنبِلاَجِ عَصرِ الرّقمَنَةِ وَالوَسَائِطِ. مُؤَخّرًا تَسَاءَلتُ: «أَأَتَسَوّلُ الأُجرَةَ، أَم أَتَوَسّلُ بِالهِجرَةِ؟!». وَهَا أَنَا مَعَكُم أَنتَظِرُ البُشرَى»…

ثُمّ ٱنبَرَتِ الفَتَاةُ اللّعُوبُ بِلُثغَتِهَا(16) الجَمِيلَةِ، يَمهَلُ ثَغرُهَا بِقَولٍ رَقِيقٍ وَحُجّةٍ عَلِيلَةٍ؛ فَمَا بَينَ خِفّةِ ظِلّ وَطَلاَقَةٍ، وَقَهقَاتٍ تَهُزّ الأَرجَاءَ بِصَفَاقَةٍ، أَجرَت عَلَى مَسَامِعِنَا شَكوَاهَا، وَتَحَدّثَت عَن «التّيك تُوك» الّذِي أَغوَاهَا؛ تَرَى فِي مَيدَانِ العَارِضَاتِ هَدَفًا، وَفِي كُمُونِهَا بِبَيتِ أَهلِهَا عَبَثًا. تَبأَسُ إِذَا سُئِلَت عَنِ المَقصَدِ، فَتُكَرّرُ: (نحبْ نُخرُجْ نِتْفَرْهِدْ!)(17). ثُمّ تَعُودُ وَتَبسِمُ، كَأَنّ ضَحِكَهَا سِترٌ لِلغُصّةِ، وَجُمُوحَهَا حِيلَةٌ عَلَى القِصّةِ.

وَأَمّا السّيّدَةُ فَقَد أخبرت عنها مَآقِيهَا، وَكَانَت قَد فَرَدَت عَلَى الصّبِيّينِ جَنَاحَيهَا، وَآثَرَت أَن تُدَارِيَ عَنِ العُيُونِ عَينَيهَا. فَلَم تَنبِس بِبِنتِ شَفَةٍ، فَٱحتَرَمنَا صَمتَهَا وَٱفتَرَقنَا بِخِفّةٍ…

حَتّى إِذَا عُدتُ بَعدَ أَيّامٍ بِالمُؤُونَةِ وَالزّادِ، وَبِكُرَةٍ يَلعَبُ بِهَا الصّبيَانُ فِي تِلكَ الوِهَادِ؛ جَلَستُ إِلَيهِمَا بِالبَابِ مُدَاعِبًا، فَسَمِعتُ مِن أُمّهِمَا مَا أَقعَدَنِي جَامِدًا... فَقَد كَانَت تُسدِي النّصِيحَةَ لِلفَتَاةِ:

– «يَا بُنَيّتِي لاَ يَغُرّنّكِ سَرَابُ الشّاشَاتِ، فَلاَ تَبِيعِي العِفّةَ فِي مَزَادِ الشّبُهَاتِ؛ ٱلزَمِي أَهلَكِ وَٱحتَرِفِي مَا يَصُونُ القَدرَ، لِتَكُونِي أُمّا كَرِيمَةً وَزَوجَةً يُعَزّ بِهَا الصّدرُ... أَنَا مَا خَرَجتُ إِلاّ هَرَبًا بِطِفلَيّ مِنَ المَظَالِمِ، حِينَ خَشِيتُ عَلَيهِمَا مِن مَاضٍ سَيُنهِكُ القَادِمَ؛ فَقَد قَضَى أَبُوهُمَا فِي السّجنِ وَٱللّهُ رَاحِمٌ. لَكِنّ المَأسَاةَ أَدهَى وَأَطَمّ، فَقَد ظَلَلتُ أَملَأُ «قُفّةَ السّجِينِ»(18) بِالدّسَمِ، لِأَكتَشِفَ أَنّهُ مَاتَ مُنذُ عَامَينِ وَأَنَا أُطعِمُ العَدَمَ!»…

فَلَمّا بَلَغَنِي نَحِيبُ تِلكَ المَكلُومَةِ، تَشَظّى فِي صَدرِي هَولُ المَأسَاةِ المَكتُومَةِ؛ فَٱنخَلَعَ قَلبِي وَثَقُلَ مَتنِي، وَتَمَنّيتُ لَوِ ٱنشَقّتِ الأَرضُ وَٱبتَلَعَتنِي. إِذ بَلَغَتنِي وَضَاعَةُ الخَدِيعَةِ، فَٱستَعَدتُ نَخوَتِي لِصَونِ هَذِهِ الوَدِيعَةِ؛ وَعَزَمتُ أَن أَكُونَ لَهُمُ المَنَارَ وَالمَنجَاةَ، وَأَن أَفتَدِيَ عَثرَتِي بِصَلاَحِ مَا هُوَ آتٍ»…

قَالَ بنُ فَضلٍ، عَنِ (النبّارْ):

فَلَمّا رَجَلَ فِي قَلبِ (عزّوزْ) نَدَمُهُ، وَتَفَطّرَ فُؤَادُهُ بِأَسَفِهِ، جَمَعَ مَا وَقَرَ(19) مِن مَالِ الكُديَةِ، وَرَهَنَ لِأَجَلِ الفَارِقِ دُكّانَهُ وَجَهّزَ الفِديَةَ، وَظَلّ يُقَلّبُ أَفكَارَهُ، بَينَ كَشفٍ مَسنُودٍ يُخفِي أَوزَارَهُ، وَٱعتِذَارٍ كَرِيمٍ يَحفَظُ سِرّهُ وَوَقَارَهُ. وَحَانَ أَن هَاتَفَتهُ الفَتَاةُ تَعَطّفًا، تُطَالِبُهُ بِالوَدِيعَةِ تَلَطّفًا؛ فَهِيَ قَد لاَنَت لِنُصحِ الأَرمَلَةِ، وَعَدَلَت عَنِ التّنَطّعِ وَالهَروَلَةِ؛ سَاعَتَهَا تَزَاحَمَت لَدَيهِ الفِكَرُ، وَتَبَدّدَ العَكَرُ(20). فَبَادَرَهَا قَائِلًا:

– «أَي بُنَيّةُ؛ إِنّ مَالَكِ عِندِي، وَسَأَرُدّهُ إِلَيكِ كَامِلًا، شَرطَ أَن تُنجِزِي مَعِي مَا يَجعَلُ عَودَكِ(21) شَامِلًا»

فَسَأَلَتهُ:

– «أَفعَلُ -إِن شَاءَ ٱللّهُ- مَا بِذِمّتِي، وَلَكِن أَفهَمُ -قَبلَ ذَلِكَ- مُهِمّتِي؟»

فَأَجَابَ:

– «سَامِحِي (عمّكْ عزّوزْ) بِدَايَةً، وَسَأُرضِيكِ وَصُحبَتَكِ وَأُعَاقِبُ نَفسِي نِهَايَةً؛ فَقَد كُنتُ أُضمِرُ لَكُم مَكرًا، وَأُبَيّتُ لَكُم غَدرًا؛ حَتّى سَمِعتُ أَرمَلَةَ السّجِينِ، فَٱستَوَيتُ عَلَى حَدّ السّكّينِ: أَأَعتَذِرُ فَأُفضَحُ، أَم أَجتَرِحُ(22) حَلًّا فَأفلَحُ؟!... وَهَا قَد جَاءَ الخَلاَصُ مِن هَذَا الٱتّصَالِ، فَهَاتِ يَدَكِ لِنُوقِفَ المَهزَلَةَ وَنَصطَادَ المُحتَالَ.»

فَسَأَلَتهُ:

– «وَكَيفَ السّبِيلُ؟»

فَقَالَ:

– «تَصمُتِينَ الآنَ عَنِ الأَمرِ، وَسَأَستَدرِجُ صَاحِبَ الأَمرِ؛ سَتَكُونِينَ عَينًا تَرَى وَأُذُنًا تَسمَعُ، وَ«كامِيرَا_كِ» تَشهَدُ وَتُوقِعُ. سَأَدعُو (الزّڨَوْ) إِلَى صَفقَةٍ، وَسَنَلقَاهُ فِي رِفقَةٍ؛ فَإِذَا حَضَرَ، لَمّحتِ - تَثبِيتًا - بِمَا يُغرِي، وَسَجّلتِ -خِفيَةً - مَا يَجرِي. ثُمّ بُثّي الشّرِيطَ مُبَاشِرًا، فَيَكُونُ لَنَا سَاتِرًا، وَيَكُونُ لَهُ سَافِرًا(23)»

وَفِعلًا، بَعَثَ (النبّارْ) إِلَى (الزّڨَوْ) يَدعُوهُ، وَزَعَمَ أَنّ فِي مَكمَنِهِ مَا سَيَسلُوهُ: رَهطٌ ثَرِيّ وَصَفقَةٌ ثَرّةٌ(24)، وَالدّفعُ سَخِيّ مُقَابِلَ الفَرّةِ(25)... فَمَا لَبِثَ أَن حَلّ (الزّڨَوْ الحرّاقْ)، وَخِيضَ فِي الأَشوَاقِ ومَبلغِ الآفَاقِ، وَكَانَ (عزّوزْ) يَعقِدُ وَيَفتَحُ، وَيُؤَمّنُ وَيَشرَحُ؛ فَلاَنَ لَهُ الضّيفُ، فَٱستَدرَجَهُ إِلَى الخَلفِ، وٱستَرَدّ منه مَالَهُ، وَجَدّدَ لَهُ وِصَالَهُ. كُلّ ذَلِكَ وَالفَتَاةُ تَغمِزُ وَتَتَغَنّجُ، بَينَا «الكامِيرَا» تَرصُدُ وَتُرَوّجُ.

فَجأَةً، دَوّى هَدِيرٌ هَائِلٌ، وَأُضِيئَتِ الفَلاَةُ وَزُرِعَتِ الحَوَائِلُ، وَٱقتَحَمَ المَكَانَ كَتِيبَةٌ مِنَ الحُرّاسِ؛ فَقَادُوا الجَمِيعَ إِلَى المَخفَرِ، وَفُتِحَ دُونَهُمُ الكُرّاسُ…

قَالَ حَكِيمُ بنُ فَضلٍ، وَقَد خَلَصَ الفَصلُ:

عِندَ هَذَا الحَدّ؛ ضفَرتُ الهَزلَ مع الجدّ، ثم ٱتّخَذتُ لِي مَنأًى عَنِ (النبّارْ)، وَسَأَلتُهُ من الفلسفةِ ما يُثيرُ الغُبارَ:

– «قُل لِي (يَاااا صانعَ حَرّاقْ)، ويَا أحمقَ السُّرّاقِ؛ هلِ الانتماءُ لمكانٍ يَظلمُنا هُوَ قِمَّةُ الوَفَاء، أَمْ خِيَانَةٌ لِلذَّاتِ فِي ثَوْبِ البَقَاء؟»

ثُمّ قَفَزتُ هاربًا إِلَى الباب، يقرَعُ سَمعي سَيلٌ من قبيح اللّفظِ ووَصلةٌ من السُبابِ.

الإضاءات المعجمية والدارجة التونسية:

1. الشَّرقَةُ: غُصّةُ الحلق.

2. نِيرِ: ثِقْلُ وقَيْد.

3. (الحَرقَة):(دارجة مغاربية) الهجرةُ غيرُ الشرعية.

4. نَاكِئًا: مُؤلِمًا جُرحَهُ ومُعيدًا إثارتَه.

5. (ها شِنتْي): (دارجة تونسية)؛ يا صبي استصغارا

6. الشّاءِ: اسمُ جمعٍ للغنم، والواحدةُ شاة.

7. تِربَ: النَّظيرُ والمُماثلُ في السِّنِّ.

8. أَغمِطُ: أُخْفِي وأَطْمِسُ وأُغَطِّي.

9. تُكدى: يُحتالُ عليها وتُسرَق.

10. كَدِيدَهُ: كَدَّهُ وتَعَبَهُ ومَشَقَّتَهُ.

11. الإِعذَارَ: إقامةُ العُذرِ وإيضاحُ الحُجّة.

12. الأَمْتَ: المشقّةُ والضيق.

13. يُوكِئُ: يُغلِقُ ويُثقِلُ ويُوهِنُ.

14. لَسنِهِ: فَصاحَتِهِ وحُسنِ بَيانِهِ.

15. يَمُورُ: يَضطَرِبُ ويَتَحرَّكُ.

16. لُثغَتِهَا: عُجْمَةُ لِسانِها في النُّطقِ ببعضِ الحروف.

17. (نحبْ نُخرُجْ نِتْفَرْهِدْ): (دارجة تونسية)؛ أريدُ أن أُهاجرَ وأستمتعَ.

18. قُفّةَ السّجِينِ: ما يُحمَلُ إلى السّجينِ من طعامٍ.

19. وَقَرَ: ثَبَتَ واستَقَرَّ.

20. العَكَرُ: الكَدَرَ والاضطرابَ.

21. عَودَكِ: رُجوعَكِ.

22. أَجتَرِحُ: اكتسب، أو ارتكب، أو اقترف

23. سَافِرًا: مُوضِّحًا وكاشفًا وفاضحًا.

24. ثَرّةٌ: غَزِيرَةٌ وكَثِيرَةُ العَطَاءِ.

25. الفَرّةِ: الهَرَبِ والفِرارِ.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات